فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 381

مَن عَمَّ، وَقَالَ: كلُّ مَن احتاجَ إِلَى المبيتِ للسقايةِ فلهُ ذلكَ. وَأَمَّا تعليقُه بسقايةِ العبَّاسِ فَمِنْهُمْ مَن خَصَّصَهُ بِهَا، حَتَّى لَوْ عُمِلَتْ سقايةٌ أُخْرَى لم يُرَخَّصْ فِي المبيتِ لأجلِها. والأقربُ اتِّبَاعُ المعنى، وأن العلَّةَ الحاجةُ إِلَى إعدادِ الماءِ للشاربينَ.

251 -الحديثُ الحاديَ عَشَرَ: وَعَنْهُ - أي عن ابنِ عمرَ - قَالَ: (( جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، لِكلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِقَامَةٌ. وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلاَ عَلَى إِثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ) ).

فِيْهِ دليلٌ عَلَى جمعِ التأخيرِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَهِيَ (( جَمْعٌ ) )؛ لأن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ وقتَ الغروبِ بعرفةَ، فلم يجمعْ بينَهما بالمزدلفةِ إِلاَّ وَقَدْ أخَّرَ المغربَ، وَهَذَا الجمعُ لاَ خلافَ فِيهِ، وإنما اخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ بعذرِ النُّسُكِ، أَوْ بعذرِ السَّفَرِ؟ وفائدةُ الخلافِ أنَّ مَن لَيْسَ بمسافرٍ سفرًا يُجْمَعُ فِيهِ، هَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ هاتينِ الصلاتينِ أم لاَ؟ والمَنْقُولُ عن مذهبِ أبِي حنيفةَ أن الجمعَ بعذرِ النُّسُكِ، وظاهرُ مذهبِ الشَّافعيِّ أَنَّهُ بعذرِ السفرِ، ولبعضِ أصحابِه وجهٌ: أَنَّهُ بعذرِ السفرِ، ولبعضِ أصحابِه وجهٌ: أَنَّهُ بعذرِ النُّسُكِ، ولم يُنْقَلْ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يجمعُ بَيْنَ الصلاتينِ فِي طولِ سفرِهِ ذَلِكَ، فإن كَانَ لم يَجْمَعْ فِي نفسِ الأمرِ، فيَقْوى أن يكونَ للنسكِ؛ لأن الحكمَ المُتَجَدِّدَ عن تَجَدُّدِ أمرٍ يقتضِي إضافةَ ذَلِكَ الحكمِ، إِلاَّ ذَلِكَ الأمرَ، وإن كَانَ قَدْ جمَعَ، إِمَّا بأن يَرِدَ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ خاصٌّ، أَوْ يُؤْخَذَ مِن قولِ ابنِ عمرَ: (( إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السيرُ جمعَ بَيْنَ المغربِ والعشاءِ ) ). فَقَدْ تعارَضَ فِي هَذَا الجمعِ سببانِ: السفرُ، والنسكُ، فيبقى النظرُ فِي ترجيحِ الإضافةِ إِلَى أحدِهما، عَلَى أن فِي الاستدلالِ بحديثِ ابنِ عمرَ عَلَى هَذَا الجمعِ نظرًا، مِن حيثُ إن السيرَ لم يكن مُجِدًّا في ابتداءِ هذه الحركةِ؛ لأن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَانَ نازلًا عندَ دخولِ وقتِ صلاةِ المغربِ، وأَنْشَأَ الحركةَ بعدَ ذَلِكَ، فالجِدُّ إِنَّمَا يكونُ بعدَ الحركةِ، أَمَّا فِي الابتداءِ، فَلاَ، وَقَدْ كَانَ يمكنُ أن تُقَامَ المغربُ بعرفةَ، وَلاَ يحصلُ جدُّ السيرِ بالنسبةِ إليها، وإنما يَتَنَاوَلُ الحديثُ: مَا إِذَا كَانَ الجدُّ والسيرُ موجودًا عندَ دخولِ وقتِها، فَهَذَا أمرٌ مُحْتَمَلٌ.

واخْتَلَفَ الفقهاءُ أَيْضًا: فيما لَوْ أرادَ الجمعَ بغيرِ جمعٍ، كَمَا لَوْ جمعَ فِي الطريقِ أَوْ بعرفةَ عَلَى التقديمِ، هَلْ يُجْمَعُ أم لاَ؟ والذينَ علَّلُوا الجمعَ بالسفرِ يُجِيزُونَ الجمعَ مُطْلقًا، والذين يُعَلِّلُونَه بالنُّسُكِ: نُقِلَ عن بعضِهم: أَنَّهُ لاَ يُجْمَعُ إِلاَّ بالمكانِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهُوَ المزدلفةُ؛ إِقامةً لوظيفةِ النسكِ عَلَى الوجهِ الَّذِي فَعَلَه الرسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَمِمَّا يتعلَّقُ بالحديثِ: الكلامُ فِي الأذانِ والإِقامةِ لصَلَاتَي الجمعِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِيْهِ: أَنَّهُ جمعٌ بإقامةٍ لكلِّ واحدةٍ. ولم يُذْكَر الأذانُ.

وحاصلُ مذهبِ الشَّافعيِّ رحمه اللهُ: أن الجمعَ إِمَّا أن يكونَ عَلَى وجهِ التقديمِ، أَوْ عَلَى وجهِ التأخيرِ. فإن كَانَ عَلَى وجهِ التقديمِ أَذَّنَ للأُولَى؛ لأنَّ الوقتَ لَهَا وأقامَ لكلِّ واحدةٍ، ولم يُؤَذِّنْ للثانيةِ، إِلاَّ عَلَى وجهٍ غريبٍ لبعضِ أصحابِه. وإن كَانَ عَلَى وجهِ التأخيرِ - كَمَا فِي هَذَا الجمعِ - صلَّاهُمَا بإقامتينِ، كَمَا فِي ظاهرِ هَذَا الحديثِ. وأَجْرَوْا فِي الأذانِ للأُولَى الخلافَ الَّذِي فِي الأذانِ للفائتةِ. ودلالةُ الحديثِ عَلَى عدمِ الأذانِ دلالةُ سكوتٍ، أعني: الحديثَ الَّذِي ذَكَرَه المُصَنِّفُ.

ويتعلَّقُ بالحديثِ أَيْضًا: عدمُ التنفُّلِ بَيْنَ صَلَاتَي الجمعِ لقولِه: (( ولم يُسَبِّحْ بينَهُمَا ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت