فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 381

"الرِّبَاطُ"مُرَاقَبَةُ العدوِّ في الثُّغورِ الْمُتَاخِمَةِ لبلادِهِ.

وفى قولِهِ عليْهِ السَّلامُ:"خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا"وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أن يكونَ من بابِ تنزيلِ الْمُغَيَّبِ منزلةَ المحسوسِ، تحقيقًا له وتثبيتًا في النُّفوسِ. فإنَّ مُلْكَ الدُّنيَا ونعيمَهَا وَلَذَّاتِهَا محسوسةٌ، مُسْتَعْظَمَةٌ في طباعِ النُّفوسِ.

فَحُقِّقَ عندهَا أنَّ ثوابَ اليومِ الواحدِ في الرِّبَاطِ -وهوَ من الْمُغَيَّبَاتِ- خيرٌ من المحسوساتِ الَّتي عَهِدْتُمُوهَا من لَذَّاتِ الدُّنْيَا.

والثَّانِي: أنَّه قد اسْتَبْعَدَ بعضُهُمْ أن يُوازَنَ شيءٌ من نعيمِ الآخرةِ بالدُّنْيَا كلِّهَا. فَحُمِلَ الحديثُ، أو مَا هوَ معنَاهُ: على أنَّ هذا الَّذي رُتِّبَ عليْهِ الثَّوابُ خيرٌ من الدُّنْيَا كلِّهَا لو أُنْفِقَتْ في طاعةِ اللهِ تعالَى. وكأنَّه قَصَدَ بهذا أن تَحْصُلَ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَ ثوابيْنِ أُخْرَوِيِّيْنِ، لِاسْتِحْقَارِهِ الدُّنْيَا في مقابلةِ شيءٍ من الْأُخْرَى؛ ولو على سبيلِ التَّفضيلِ.

والأوَّلُ عندِي أَوْجَهُ وأظهرُ.

"وَالْغَدْوَةُ"بفتحِ الغينِ: السَّيرُ في الوقتِ الَّذي من أوَّلِ النَّهارِ إلى الزَّوالِ و"الرَّوْحَةُ"من الزَّوالِ إلى اللَّيلِ. واللَّفظُ مُشْعِرٌ بأنَّهَا تكونُ فِعْلًا واحدًا. ولا شكَّ أنَّه قد يقعُ على اليسيرِ والكثيرِ من الْفِعْلِ الواقعِ في هذيْنِ الوقتيْنِ. ففيهِ زيادةُ ترغيبٍ وفضلٌ عظيمٌ.

407 -الحديثُ الثَّالثُ: عن أبِي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قالَ: (( انْتَدَبَ اللَّهُ ) )-وَلِمُسْلمٍ: تَضَمَّنَ اللَّهُ- (( لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادٌ فِى سَبِيلِي، وَإِيْمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي. فَهُوَ عَلَىَّ ضَامِنٌ: أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أو أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ) ).

408 -ولمسلمٍ: (( مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ جَاهَدَ فِى سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصِّائِمِ الْقَائِمِ. وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِهِ إِنْ تَوَفَّاهُ: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ) ).

"الضَّمَانُ، والْكَفَالَةُ"هَهُنَا: عِبَارَةٌ عن تحقيقِ هذا الموعودِ من اللهِ سبحانَهُ وتعالَى. فإنَّ الضَمَانَ والْكَفَالَةَ: مُؤَكِّدَانِ لمَا يُضْمَنُ ويُتَكَفَّلُ بهِ، وتحقيقُ ذلكَ من لوازمِهِمَا.

وقولُهُ: (( لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادٌ فِى سَبِيلِي، وَإِيْمَانٌ بِي ) )دليلٌ على أنَّه لا يَحْصُلُ هذا الثَّوابُ إلا لمَن صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَخَلُصَتْ من شوائبِ إرادةِ الأغراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ. فإنَّه ذُكِرَ بصيغةِ النَّفيِ والإثباتِ الْمُقْتَضِيَيْنِ للحصرِ.

وقولُهُ (( فهوَ عليَّ ضامنٌ ) )قيلَ: إنَّ فاعلًا ههنَا بمعنَى مفعولٍ، كمَا قِيلَ في (ماءٍ دافقٍ) و (عيشةٍ راضيةٍ) أيْ مدفوقٍ، ومَرْضيةٍ، على احتمالِ هاتيْنِ اللَّفظتيْنِ لغيرِ ذلكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت