هَذِهِ اللفظةَ مِن قِبَله عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسَّلامُ.
وَفِي قولِه عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسَّلامُ: (( فإنهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ، أصابتْ كلَّ عبدٍ صالحٍ ) )، دليلٌ عَلَى أنَّ للعمومِ صيغةً، وأنَّ هَذِهِ الصيغةَ للعمومِ، كَمَا هُوَ مذهبُ الفقهاءِ، خلافًا لمن توقَّفَ فِي ذَلِكَ مِن الأصوليِّينَ، وَهُوَ مقطوعٌ بِهِ مِن لسانِ العربِ، وتصرُّفاتِ ألفاظِ الكتابِ والسُّنَّةِ عندنَا، وَمَنْ تتبَّعَ ذَلِكَ وجدَهُ، واستدلالُنا بِهَذَا الحديثِ ذكرٌ لفردٍ مِن أفرادٍ لاَ يحصَى الجمعُ لأمثالِها، لاَ للاقتصارِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا خُصَّ (( العبادُ الصالحونَ ) )لأنه كلامُ ثناءٍ وتعظيمٍ.
وقولهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ: (( ثُمَّ ليتخيَّرْ مِن المسألةِ مَا شاءَ ) )، دليلٌ عَلَى جوازِ كلِّ سؤالٍ يتعلَّقُ بالدنيَا والآخرةِ، إلاَّ أنَّ بعضَ الفقهاءِ مِن أصحابِ الشَّافعيِّ استثنى بعضَ صورٍ من الدُّعاءِ تقبُحُ، كَمَا لَوْ قَالَ: اللهمَّ أعطنِي امرأةً صفتُها كذَا وكذَا، وأخذَ يذكرُ أوصافَ أعضائِهَا، ويستدلُّ بِهَذَا الحديثِ عَلَى عدمِ كونِ الصَّلاةِ عَلَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركنًا فِي التَّشهُّدِ، مِن حَيْثُ إنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ علَّم التشهُّدَ، وأمرَ عقيبهُ أنْ يتخيَّرَ مِنَ المسألةِ مَا شاءَ، ولم يُعلِّمْ ذَلِكَ، وموضعُ التَّعليمِ لاَ يُؤخَّرُ وقتُ بيانِ الواجبِ عَنْهُ، واللهُ أعلمُ.
122 -الحديثُ الثَّانِي: عَنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبِي ليلَى، قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلَّمَنَا اللهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: (( قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَاركْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدُ مَجِيدٌ ) ).
الكلامُ عَلَيْهِ من وجوهٍ:
الأولُ: (( كعبُ بنُ عُجْرَةَ ) )مِن بنِي سالِمِ بنِ عوفٍ، وَقِيلَ: مِن بنِي الحارثِ مِن قُضاعةَ، شهدَ بيعةَ الرِّضوانِ، وماتَ سنةَ اثنتينِ وخمسينَ بالمدينةِ فيمَا قِيلَ، رَوى لَهُ الجماعةُ كلُّهمْ.
الثَّانِي: صيغةُ الأمرِ فِي قولِه: (( قُولُوا ) )ظاهرةٌ فِي الوجوبِ، وَقَد اتَّفقُوا عَلَى وجوبِ الصَّلاةِ عَلَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ: تجبُ فِي العُمرِ مرَّة، وَهُوَ الأكثرُ، وَقِيلَ: تجبُ فِي كلِّ صلاةٍ فِي التَّشهُّدِ الأخيرِ، وَهُوَ مذهبُ الشَّافعيِّ، وَقِيلَ: إنه لمْ يقُلْهُ أحدٌ قبلَهُ، وتابعَهُ إسحاقُ، وَقِيلَ: تجبُ كلَّما ذُكرَ، واختارَهُ الطحاويُّ مِنَ الحنفيَّةِ، والحليميُّ مِن الشَّافعيَّةِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الحديثِ تنصيصٌ عَلَى أنَّ هَذَا الأمرَ مخصوصٌ بالصَّلاةِ، وَقَدْ كثُرَ الاستدلالُ عَلَى وجوبِهَا فِي الصَّلاةِ بَيْنَ المتفقِّهةِ بأنَّ الصَّلاةَ عَلَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واجبةٌ بالإجماعِ، وَلاَ تجبُ فِي غيرِ الصَّلاةِ بالإجماعِ، فتعيَّنَ أنْ تجبَ فِي الصَّلاةِ، وَهُوَ ضعيفٌ جدًّا، لأنَّ قولَهُ: (( لاَ تجبُ فِي غيرِ الصَّلاةِ بالإجماعِ ) )إنْ أرادَ بِهِ: لاَ تجبُ فِي غيرِ الصَّلاةِ عيْنًا، فَهُوَ صحيحٌ، لكنَّهُ لاَ يلزمُ مِنْهُ أنْ تجبَ فِي الصَّلاةِ عَيْنًا، لجوازِ أنْ يكونَ الواجبُ مطلقَ الصَّلاةِ، فَلاَ يجبُ واحدٌ مِنَ المعيَّنينِ - أعني خارجَ الصَّلاةِ وداخلَ الصَّلاةِ - وإنْ أرادَ مَا هُوَ أعمُّ من ذَلِكَ - وَهُوَ الوجوبُ المطلقُ - فممنوعٌ.
الثالثُ: فِي وجوبِ الصَّلاةِ عَلَى الآلِ وجهانِ عِنْدَ أصحابِ الشافعيِّ، وَقَدْ يتمسَّكُ مَن قَالَ بالوجوبِ بلفظِ الأمْرِ.