وقولُه: (( اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي ) )إلى آخرِه يَحْتَمِلُ أمرينِ - بعدَ كونهِ مجازًا عمَّا ذكرناهُ - أحدُهما: أنْ يُرادَ بذلكَ التَّعبيرُ عنْ غايةِ المَحْوِ، أعْنِي بالمجموعِ فإنَّ الثَّوبَ الذِي تتكرَّرُ عليهِ التَّنْقِيَةُ بثلاثةِ أشياءَ مُنَقِّيَةٍ، يكونُ في غايةِ النَّقاءِ.
الوجهُ الثانِي: أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ من هذهِ الأشياءِ مجازًا عن صفةٍ يقعُ بهَا التكفيرُ والمحوُ. ولعلَّ ذلكَ كقولِهِ تعالى: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} [البقرةِ:286] ، فكلُّ واحدةٍ من هذهِ الصفاتِ - أعنِي: العفوَ، والمغفرةَ، والرَّحمةَ - لها أثرٌ في محوِ الذَّنبِ. فعلَى هذا الوجهِ: يُنظرُ إلى الأفرادِ. ويجعلُ كلُّ فردٍ منَ أفرادِ الحقيقةِ دالاًّ على معنىَ فردٍ مجازِىٍّ. وفي الوجهِ الأوَّلِ: لا يُنظرُ إلى أفرادِ الألفاظِ، ِ، بل تُجعلُ جملةُ اللَّفظِ دالةً على غايةِ المحوِ للذنبِ.
85 -الحديثُ الثَّالثُ: عن عائشةَ , رضيَ اللهُ عنهَا , قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكْبِيرِ، وَالْقِراءَةِ بِـ (الْحَمدُ للهِ ربِّ الْعالمينَ) . وكَان إِذَا رَكَعَ لمْ يُشْخِصْ رأْسَهُ ولمْ يصَوِّبْهُ وَلَكنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وكانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكوعِ: لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يسْتَوِيَ قَائمًا، وكَانَ إذَا رفعَ رأسَهُ مِن السَّجْدِةِ: لَمْ يسْجُدْ، حتَّى يسْتَويَ قَاعدًا، وَكَانَ يَقُولُ في كلِّ ركْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وكانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْترِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بِالتَّسْلِيمِ.
هذَا الحديثُ سَها المصنِّفُ في إيرادِه في هذَا الكتابِ. فإنَّهُ ممَّا انفردَ بهِ مسلمٌ عنِ البخاريِّ. فرواهُ من حديثِ الحسينِ المُعَلِّمِ عن بُديْلِ بنِ مَيسرةَ عن أبي الجَوزاءِ عَن عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا. وشرطُ الكتابِ: تخريجُ الشَّيخينِ للحديثِ.
قولُها: كانَ يَستفتحُ الصَّلاةَ بالتكبيرِ قد تقدَّمَ الكلامُ على لفظةِ (( كانَ ) )فإنَّها قد تُستعملُ في مجرِّدِ وقوعِ الفِعلِ. وهذا الحديثُ - مع حديثِ أبي هريرةَ - قدْ يدلُّ علىَ ذلكَ. فإنهَا قد استُعْمِلَتْ في أحدِهما على غيرِ مَا استُعملتْ فِي الآخرِ. فإنَّ حديثَ أبي هريرةَ: إنِ اقتضَى المداومَةَ أو الأكثريَّةَ على السُّكوتِ وذلكَ الذِّكِرِ، وهذا الحديثُ يقتضي المداومةَ - أو الأكثريَّةَ - لافتتاحِ الصَّلاةِ بعدَ التكبيرِ بـ (الحمدُ للهِ ربِّ العالمينِ) ، تعارضَا. وهذا البحثُ مبنيٌّ على أنْ يكونَ لفظُ (( القراءةِ ) )مَجرورًا. فإنْ كانتْ لفظةُ (( كانَ ) )لا تدلُّ إلاَّ على الكثرةِ. فلاَ تَعارُضَ. إذْ قدْ يَكثُرانِ جَميعًا. وهذهِ الأفعالُ التي تَذكُرهَا عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصَّلاةِ قدِ استدلَّ الفقهاءُ بكثيرٍ منهَا على الوُجوبِ، لا لأنَّ الفعلَ يدلُّ على الوجوبِ، بلْ لأنهمْ يرونَ أنَّ قولَهُ تعالىَ: {أقيمُوا الصَّلاَةَ} خطابٌ مُجملٌ، مبيَّنٌ بالفعلِ، والفعلُ المبيِّنُ للمُجْمَلِ المأمورِ بهِ، يدخلُ تحتَ الأمرِ. فَيَدُلُّ مجموعُ ذلكَ علَى الوجوبِ. وإذَا سلكتَ هذِه الطريقةَ وجدتَ أَفعالًا غيرَ واجبةٍ، فلا بدَّ أنْ يُحالَ ذلكَ على دليلٍ آخرَ دلَّ على عدمِ الوجوبِ.
وفي هذا الاستدلالِ بحثٌ. وهو أَنْ يُقالَ: الخطابُ المُجملُ يتبيَّنُ بأوَّلِ الأفعالِ وقوعًا. فإذا تبيَّنَ بذلكَ الفعلِ لمْ يكنْ مَا وَقَعَ بعدَهُ بيانًا، لوقوعِ البيانِ بالأوَّلِ. فيبقَى فعلًا مجرَّدًا، لا يدلُّ علَى الوجوبِ. اللهمَّ إلا أنْ يدُلَّ دليلٌ على وقوعِ ذلكَ الفعلِ المُسْتَدَلِّ بهِ بيانًا. فيتوقَّفُ الاستدلالُ بهذهِ الطريقةِ على وجودِ ذلكَ الدَّليلِ، بلْ قدْ يقومُ الدَّليلُ على خلافِه، كَرِواَيةِ مَن رأى فِعْلًا للنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وسبقَتْ لهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مدَّةٌ يقيمُ الصَّلاةَ فيهَا. وكانَ هذَا الرَّاوِي الرَّائِي مِن أصاغِرِ الصَّحابةِ الذينَ حصَلَ تمييزُهم ورؤيَتُهم بعدَ إقامةِ الصَّلاةِ مدَّةً. فهذَا مقطوعٌ بتأخُّرِه. وكذلكَ مَن أَسلمَ بعدَ مدَّةٍ إذا أخبرَ برؤيتِهِ للفعلِ. وهذَا ظاهرٌ في التأخيرِ. وهذا تحقيقٌ بالغٌ.