،وإن اخْتَلَفَ النوعُ فَفِيْهِ وجهانِ لأصحابِ الشَّافعيِّ، وقيلَ: إن الأصحَّ أن الكلَّ يبقى للبائعِ، كَمَا لَوْ اتحدَ النوعُ، دفعًا لضررِ اختلافِ الأيدي وسوءِ المشاركةِ.
وَقَدْ يُؤْخَذُ مِن الحديثِ أَنَّهُ إِذَا باعَ مَا لم يُؤَبَّرْ مُفْرَدًا بالعقدِ بعدَ تَأْبِيرِ غيرِه فِي البستانِ، أَنَّهُ يكونُ للمشتري؛ لأنه لَيْسَ فِي المبيعِ شيءٌ مُؤَبَّرٌ، فَيقتضِي مَفْهُومُ الحديثِ أَنَّهَا ليستْ للبائعِ، وَهَذَا أصحُّ وجهي الشافعيةِ، وكأنه إِنَّمَا يعتبرُ عدمَ التأبيرِ إِذَا بِيعَ مَعَ المُؤَبَّرِ، فَيُجْعَلُ تبعًا، وَفِي هَذِهِ الصورةِ لَيْسَ ههنا فِي المبيعِ شيءٌ مُؤَبَّرٌ، فَيُجْعَلُ غَيْرُه تبعًا لَهُ.
وأُدْخِلَ من هَذِهِ الصورةِ فِي الحديثِ مَا إِذَا كَانَ التأبيرُ وعدمُه فِي بُسْتَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، والأصحُّ ههنا أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَنْفَرِدُ بحكمِه، أَمَّا أولًا، فلظاهرِ الحديثِ، وَأَمَّا ثانيًا، فلأنَّ لاختلافِ البقاعِ تأثيرًا فِي التأبيرِ، ولأن فِي البستانِ الواحدِ يلزمُ ضررُ اختلافِ الأيدي وسوءُ المشاركةِ.
وقولُه: (( مَن ابتاعَ عبدًا، فمالُه للذي باعَه، إِلاَّ أن يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ ) ). يَسْتَدِلُّ بِهِ المالكيةُ عَلَى أن العبدَ يَمْلِكُ،؛لإِضافةِ المالِ إليه باللامِ، وَهِيَ ظاهرةٌ فِي الملكِ.
269 -الحديثُ الرابعُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( منِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ) ). وَفِي لفظٍ: (( حَتَّى يَقْبِضَهُ ) ).
270 -وعن ابنِ عبّاسٍ مثلَه.
هَذَا نصٌّ فِي منعِ بيعِ الطعامِ قبلَ أن يُسْتَوْفَى، ومالكٌ خصَّصَ الحكمَ بِهِ إِذَا كَانَ فِيْهِ حقُّ التوفيةِ عَلَى مَا دلَّ عَلَيْهِ الحديثُ، وَلاَ يختصُّ ذَلِكَ عندَ الشَّافعيِّ بالطعامِ، بل جميعُ المبيعاتِ لاَ يجوزُ بيعُها قبلَ قبضِها عندَه، سواءٌ كَانَتْ عَقارًا أَوْ غيرَه، وَأَبُو حنيفةَ يجيزُ بيعَ العقارِ قبلَ القبضِ، ويمنعُ غيرَه.
وَهَذَا الحديثُ يقتضِي أمرينِ: أحدُهما: أن تكونَ صورةُ المنعِ فيما إِذَا كَانَ الطعامُ مَمْلُوكًا بجهةِ البيعِ. وَالثَّانِي: أن يكونَ الممنوعُ هُوَ البيعَ قبلَ القبضِ.
أَمَّا الأَوَّلُ: فَقَدْ أُخْرِجَ عَنْهُ مَا إِذَا كَانَ مَمْلُوكًا بجهةِ الهبةِ أَوْ الصدقةِ مثلًا.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَدْ تَكَلَّمَ أصحابُ الشَّافعيِّ فِي جوازِ التصرُّفِ بعقودِ غيرِ البيعِ، مِنْهَا العتقُ قبلَ القبضِ، والأصحُّ أَنَّهُ يَنْفَذُ، إِذَا لم يكنْ للبائعِ حقُّ الحبسِ، بأن أدَّى المشتري الثمنَ، أَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا، فإن كَانَ لَهُ حقُّ الحبسِ، فقيلَ: هُوَ كعتقِ الراهنِ، وقيلَ: لاَ، والصحيحُ أَنَّهُ لاَ فرقَ.
وكذا اخْتَلَفُوا فِي الهبةِ والرهنِ قبلَ القبضِ، والأصحُّ عندَ أصحابِ الشَّافعيِّ المنعُ، وَكَذَلِكَ فِي التزويجِ خلافٌ، والأصحُّ عندَ أصحابِ الشَّافعيِّ خلافُه، وَلاَ يجوزُ عندَهم التوليةُ والشَّرِكةُ، وأجازَهما مَالكٌ مَعَ الإِقالةِ، وَلاَ شكَّ أن الشركةَ والتوليةَ بيعٌ، فَيَدْخُلَانِ تحتَ الحديثِ، وَفِي كونِ الإِقالةِ بيعًا خلافٌ، فمَن لاَ يراها بيعًا لاَ يُدْرِجُها تحتَ الحديثِ، وإنما اسْتَثْنَى ذَلِكَ مَالكٌ عَلَى خلافِ القياسِ، وَقَدْ ذكرَ أصحابُه فِيهَا حديثًا يقتضِي الرخصةَ، واللهُ أعلمُ.
271 -الحديثُ الخامسُ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ سمعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ