فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 381

بيدهِ إلى أنفِه )) فقيلَ: معنَى ذلكَ: أنَّهمَا جُعلا كالعضوِ الواحدِ، ويكونُ الأنفُ كالتَّبعِ للجبهةِ. واستُدِلَّ على هذا بوجهينِ. أحدُهما: أنَّهُ لو كانَ كعضوٍ منفردٍ عنِ الجبهةِ حُكمًا، لكانتِ الأعضاءُ المأمورُ بالسجودِ عليها ثمانيةً، لا سبعةً. فلا يُطابقُ العددَ المذكورَ في أوَّلِ الحديثِ.

الثَّاني: أنهُ قد اختلَفَت العبارةُ معَ الإشارةِ إلى الأنفِ. فإذا جُعِلاَ كعضوٍ واحدٍ أمكنَ أنْ تكونَ الإشارةُ إلى أحدِهِمَا إشارةً إلى الآخَرِ. فتُطابقُ الإشارةُ العبارةَ، وربَّمَا استُنتِجَ مِن هذا: أنَّه إذَا سجَدَ علَى الأنفِ وحدَهُ أجزأَهُ، لأنهمَا إذَا جُعِلاَ كعضوٍ واحدٍ كانَ السُّجودُ على الأنفِ كالسُّجودِ علَى بعضِ الجبهةِ فيُجزئُ.

والحقُّ أنَّ مثلَ هذَا لا يعارضُ التَّصريحَ بذكرِ الجبهةِ والأنفِ، لكونِهِمَا داخلينِ تحتَ الأمرِ، وإنْ أمكنَ أنْ يُعتقدَ أنَّهمَا كعضوٍ واحدٍ من حيثُ العددُ المذكورُ. فذلكَ في التَّسميةِ والعبارةِ، لا في الحكمِ الذي دلَّ عليهِ الأمرُ.

وأيضًا: فإنَّ الإشارةَ قد لا تُعيِّنُ المشارَ إليهِ. فإنَّهَا إنَّمَا تتعلَّقُ بالجبهةِ. فإذا تقارَبَ ما فِي الجهةِ أمكنَ أنْ لا يتعيَّنَ المشارُ إليهِ يقينًا. وأمَّا اللَّفظُ: فإنهُ مُعيِّنٌ لمَا وُضِعَ لَهُ. فتقديمُهُ أَوْلَى.

الثالثُ: المرادُ باليدينِ - ههنا - الكفَّانِ. وقد اعتقدَ قومٌ أنَّ مطلقَ لفظِ (( اليدينِ ) )يُحملُ عليهمَا، كما في قولِه تعالى: {فاقطعُوا أيديَهُما} واستَنْتَجُوا مِنْ ذلكَ: أنَّ التَّيمُّمَ إلى الكوعين. ِ وعلى كلِّ تقديرٍ فسواءٌ صحَّ هذَا أم لا، فالمرادُ ههنا: الكفَّانِ. لأنَّا لوْ حملنَاهُ على بقيَّةِ الذِّراعِ: لدخلَ تحتَ المنهيِّ عنهُ مِن افتراشِ الكلبِ أو السَّبُعِ. ثمَّ تصرَّفَ الفقهاءُ بعدَ ذلكَ. فقالَ بعضُ مصنِّفِي الشَّافعيَّةِ: إنَّ المرادَ الرَّاحةُ، أو الأصابعُ. ولا يشترطُ الجمعُ بينهُمَا، بل يَكفِي أحدُهمَا. ولو سجدَ على ظهرِ الكفِّ لم يُجزِهِ. هذا معنَى ما قالَ.

الرَّابعُ: قدْ يُستدَلُّ بهذَا على أنهُ لا يجبُ كشفُ شيءٍ من هذهِ الأعضاءِ. فإنَّ مسمَّى السُّجودِ يحصلُ بالوضعِ. فمنْ وضعَهَا فقدْ أتَى بمَا أُمر بِه. فوجبَ أنْ يخرجَ عن العُهْدَةِ. وهذا يلتفتُ إلى بحثٍ أصوليٍّ. وهوَ أنَّ الإجزَاءَ في مثلِ هذَا هلْ هوَ راجعٌ إلى اللَّفظِ، أمْ إلىَ أنَّ الأصلَ عدمُ وجوبِ الزَّائدِ على الملفوظِ بهِ، مضمومًا إلى فعلِ المأمورِ بهِ؟

وحاصلُه: أنَّ فِعْلَ المأمورِ بهِ: هلْ هو عِلَّةُ الإجزاءِ، أو جزءُ علَّةِ الإجزاءِ؟ ولمْ يُختلَفْ في أنَّ كَشْفَ الرُّكبتينِ غيرُ واجبٍ. وكذلكَ القدمانِ. أما الأوَّلُ: فلِمَا يُحذرُ فيهِ مِن كشفِ العورةِ. وأما الثاني - وهو عدمُ كشفِ القدمينِ - فعليهِ دليلٌ لطيفٌ جدًّا، لأنَّ الشَّارعَ وقَّتَ المسحَ على الخُفِّ بمُدَّةٍ تقعُ فيهَا الصلاةُ معَ الخفِّ. فلوْ وجبَ كشفُ القدمينِ لوجبَ نزعُ الخفَّينِ. وانتقضتِ الطَّهارةُ، وبَطُلَت الصَّلاةُ. وَهَذا باطلٌ. ومَنْ نازَعَ في انتقاضِ الطَّهارةِ بنزعِ الخُفِّ، فيدلُّ عليهِ بحديثِ صفوانَ الذي فيهِ: أُمرنَا أنْ لا ننزِعَ خِفافَنَا - إلى آخرِه.

فتقولُ: لو وجبَ كشفُ القدمينِ لناقَضَهُ إباحةُ عدمِ النَّزعِ في هذهِ المدَّةِ التي دلَّ عليهَا لفظةُ (( أُمرنَا ) )المحمولةِ على الإباحةِ. وأمَّا اليدانِ: فللشافعيِّ تردُّدٌ في وجوبِ كشفِهِمَا.

88 -الحديثُ السَّادسُ: عن أبِي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قامَ إلى الصَّلاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت