وقولُه:"فَالْتَمِسْ وَلوْ خَاتَمًا مِنْ حديدٍ"، دليلٌ على الاستحْبابِ، لئِلَّا يُخْلَى العَقْدُ مِن ذِكْرِ الصَّداقِ؛ لأنه أَقْطَعُ للنِّزاعِ، وأَنْفَعُ للمرأةِ، فإنَّه لو حَصَلَ الطَّلاقُ قبلَ الدُخولِ: وَجَبَ لهِا نِصْفُ المُسمَّى. واستدلَّ به مَنِ يَرىَ جَوَازَ الصَّدَاقِ بما قلَّ أوْ كَثُرَ وهو مذهُبُ الشَّافِعيِّ وغيرِه. ومذهبُ مالكٍ: أنَّ أقلَّه رُبْعُ دينارٍ، أو ثَلَاثَةُ دَرَاهِمِ أو قِيمَتُها. وَمَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ: أن أقلَّه عشْرَةُ دَرَاهِمَ، ومذهبُ بعضِهمْ: أن أقلَّه خَمْسَةُ دَرَاهِمَ. واسْتُدِلَّ بِه على جَوَازِ اتِّخاذِ خاتَمِ الحديدِ، وفيه خلافٌ لبعضِ السَّلفِ، وقد قِيلَ: عن بعضِ الشَّافعَّيةِ كراهتُه.
وقولُه صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ"زَوَّجْتُكَهَا"اختُلفِ في هذهِ اللَّفْظَةِ. فمِنهُمْ مَن رَواهَا كما ذُكِرَ. ومنهمْ مَن روَاها"مُلِّكْتَهَا"ومنهم من رواها"مَلَّكْتُكَهَا"فيَسْتَدلُّ بهذه الرِّوايةِ مَن يرَى انْعِقَادَ النِّكَاحِ بلفظِ التَّمليكِ، إلا أنَّ هذه لفظةٌ واحدةٌ في حديثٍ واحدٍ اخْتُلِفَ فيها. والظَّاهِرُ القويُّ: أنَّ الواقعَ أحدُ الألفاظِ، لاكُلُّها. فالصَّوابُ في مِثْلِ هذا النَّظرُ إلى الترَّجيحِ بأحدِ وُجُوهِهِ. ونُقِلَ عن الدَّارَقُطْنِيِّ. أنَّ الصَّوابَ روايةُ مَن رَوَى"زوَّجْتُكَها"وأنَّه قالَ: وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ. وقالَ بعضُ المتأخِّرينَ: ويُحْتَملُ صحَّةُ اللَّفظينِ. ويكونُ أَرْجَى لفظَ التَّزويجِ أوَّلًا، فَمُلِّكَها. ثم قالَ له:"اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَهَا"بالتَّزويجِ السَّابِقِ.
قلتُ: هذا أوَّلًا بعيدٌ؛ فإنَّ سياقَ الحديثِ يقتضي تَعْيِينَ مَوْضِعِ هذه اللَّفظةِ التي اختُلِفَ فِيها، وأنَّها التَّي انعقَدَ بها النِّكاحُ. وما ذَكَرَهُ يَقْتَضِِي وُقُوعَ أَمْرٍ آخرَ انْعَقَدَ بِه النِّكاحُ. واخْتلافَ مَوْضِعِ كلِّ واحدٍ مِن اللَّفْظَيْنِ. وهوَ بعيدٌ جِدًّا.
وأيضًا: فلِخصْمِه أن يَعْكِسَ الْأَمْرَ، ويقولَ: كانَ انْعِقَادُ النِّكاحِ بلفظِ التَّمليكِ، وقولُه عليه السلامُ:"زَوَّجْتُكَهَا"، إخْبَارًا عمَّا مضَى بمعناهُ؛ فإنَّ ذلكَ التَّمليكَ هوَ تمليكُ نِكاحٍ.
وأيضًا: فإنَّ روايةَ منْ رَوى"مُلِّكْتَهَا"الَّتي لم يتَعَرَّضْ لِتَأْوِيلِهَا يَبْعُدُ فيها ما قالَ، إلا على سبيلِ الإخبارِ عن الماضِي بمعناهُ. وَلِخَصْمِهِ أن يَعْكِسُه. وإنَّما الصَّوابُ في مثلِ هذَا: أن يُنْظَرَ إلى التَّرْجيحِ. واللهُ أعلمُ.
وفي لفظِ الحديثِ مُتَمسَّكٌ لمنْ يَرَىَ جوازَ النِّكاحِ بِتَعْلِيمِ القرآنِ، والرِّواياتُ مُخْتَلِفَةٌ في هذا الموضعِ أيْضًا - أعني قولََه:"بِمَا مَعَكَ"والنَّاسُ مُتَنَازِعُون أيضًا في تأَويلِهِ، فمنهمْ مَن يَرَىِ أنَّ"الباءَ"هي التي تقْتضِي المُقَابَلَةَ في العُقُودِ، كقولِكَ: بِعْتُكَ كذَا بكذَا، وزوَّجْتُكَ بكذَا. ومنهمْ مَن يَرَاها باءَ السَّببيةِ، أي: بسببِ ما مَعَكَ مِن القرآنِ، إمَّا بأن يُخْلَى النِّكاحُ عن العِوَضِ على سبيلِ التَّخْصيصِ لهذا الحكْمِ. بهذه الواقعةِ، وإمَّا بأنْ يُخْلَى عن ذِكْرِه فقطْ، ويثْبُتَ فيهِ حكمُ الشرَّعِ في أَمْرِ الصَّداقِ.
317 -الحديثُ الثَّالِثُ: عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ، وعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ. فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: مَهْيَمْ؟ فقالَ: يا رسولَ اللهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فقالَ:
(ما أصْدَقْتَها؟) قال: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قال: (فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) .
"رَدْعُ الزَّعفرانِ"بالعينِ المُهْمَلَةِ: أَثَرُ لَوْنِه.
وقولُه عليهِ السَّلام"مَهْيَمْ"أي: ما أَمْرُكَ؟ وما خَبَرُكَ؟ قيل: إنَّها لغةٌ يمانيةٌ. قالَ بعضُهْم: ويُشْبِهُ أنْ تكونَ مُرَكَّبَةً.