فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 381

هذينِ اليومينِ اللَّذينِ يظهرُ فيهمَا تكبيرُ اللهِ وتحميدُه، وتمجيدُه وتوحيدُه، ظهورًا شائعًا يغيظُ المشركينَ، وقيلَ: إنهُمَا يقعانِ شُكْرًا للهِ تَعَالَى عَلَى مَا أنعمَ اللهُ بِهِ منْ أداءِ العباداتِ المتعلِّقةِ بهما، فعيدُ الفطرِ شكرًا للهِ تَعَالَى عَلَى إتمامِ صومِ شهرِ رمضانَ، وعيدُ الأضحَى شكرًا عَلَى العباداتِ الواقعةِ فِي العَشرِ، وأعظمُها إقامةُ وظيفةِ الحجِّ.

وَقَدْ ثبتَ أَيْضًا أنَّ الصَّلاةَ مقدَّمةٌ عَلَى الخُطبةِ فِي صلاةِ العيدِ، وَهَذَا الحديثُ يدلُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ بنِي أميَّةَ غيَّروا ذَلِكَ، وجميعُ مَا لَهُ خُطبٌ مِن الصلواتِ، فالصَّلاةُ مقدمَّةٌ فيه، إلاَّ الجمعةَ وخطبةَ يومِ عرفَةَ.

وَقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ صلاةِ العيدِ والجمعةِ بوجهينِ: أحدُهما: أنَّ صلاةَ الجمعةِ فرضُ عينٍ، ينتابُها النَّاسُ مِن خارجِ المصرِ، ويدخلُ وقتُها بعدَ انتشارِهمْ فِي أشغالِهمْ، وتصرفاتِهمْ فِي أمورِ الدُّنيَا، فقُدِّمتِ الخطبةُ عليهَا حتى يتلاحقَ النَّاسُ، وَلاَ يفوتُهُم الفرضُ، لاسيَّمَا فرضٌ لاَ يُقضَى عَلَى وجهِهِ، وَهَذَا معدومٌ فِي صلاةِ العيدِ.

الثَّانِي: أنَّ صلاةَ الجمعةِ هيَ صلاةُ الظُّهرِ حقيقةً، وَإِنَّمَا قُصرتْ بشرائطَ، مِنْهَا الخطبتانِ، والشرائطُ لاَ تتأخَّرُ، وتتعذَّرُ مقَارنةُ هَذَا الشَّرطِ للمشروطِ الَّذِي هُوَ الصلاةُ، فلزمَ تقديمهُ، وَلَيْسَ هَذَا المعنَى فِي صلاةِ العيدِ، إذ ليستْ مقصورةً عن شيءٍ آخرَ بشرطٍ، حتى يلزمَ تقديمُ ذَلِكَ الشَّرطِ.

144 -الحديثُ الثَّانِي: عن البراءِ بنِ عازبٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: خَطَبَنَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَضْحى بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: (( مَنْ صَلَّى صلاَتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْل الصَّلاَةِ فَلاَ نُسُك لَهُ ) )، فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيارٍ - خَالُ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاَةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شاتِي، وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتيَ الصَّلاَةَ، فَقَالَ: (( شَاتُكَ شَاةُ لحمٍ ) )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فإِن عِندَنا عَنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: (( نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ) ).

(( البراءُ ) )بنُ عازبِ بنِ الحرثِ بنِ عديٍّ، أبو عمارةَ - ويقالُ: أبو عمرَ - أنصاريٌّ، أوسيٌّ، نزلَ الكوفةَ، وماتَ بِهَا فِي زمنِ مُصْعبِ بنِ الزُّبيرِ، متَّفقٌ عَلَى إخراجِ حديثهِ.

وأبو بردةَ بنُ نيارٍ، اسمُه هانئُ بنُ نيارٍ، وقيلَ: هانئُ بنُ عمرٍو، وقيلَ: الحرثُ بنُ عمرَ، وقيلَ: مالكُ بنُ زهيرٍ، ولمْ يختلفُوا أنهُ مِن بلِيٍّ، وينسبونَهُ هانئُ بنُ عمرِو بنِ نيارٍ، كَانَ عَقَبَيًّا بَدْريًّا، شهدَ العقبةَ الثَّانيةَ مَعَ السَّبعينَ، فِي قولِ جماعةٍ من أهلِ السِّيَرِ. وَقَالَ الواقديُّ: إنهُ توفيَ فِي أوَّلِ خلافةِ معاويةَ.

والحديثُ دليلٌ عَلَى الخُطبةِ لعيدِ الأضحَى، وَلاَ خلافَ فيه، وَكَذَلِكَ هُوَ دليلٌ عَلَى تقديمِ الصَّلاةِ عليهَا، كَمَا قدَّمناهُ.

(( والنُّسكُ ) )هنَا يرادُ بِهِ الذبيحةُ، وَقَدْ يُستعملُ فيهَا كثيرًا، واستعملَهُ بعضُ الفقهاءِ فِي نوعٍ خاصٍّ، هُوَ الدِّماءُ المُراقةُ فِي الحجِّ، وَقَدْ يُستعملُ فيمَا هُوَ أعمُّ منْ ذَلِكَ من نوعِ العباداتِ، وَمِنْهُ يقالُ: فلانٌ ناسكٌ، أي متعبِّدٌ.

وقولُهُ: (( مَنْ صَلَّى صلاَتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنا ) )أي مثلَ صلاتِنَا، ومثلَ نُسكنَا، وقولهُ: (( فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ ) )معناهُ -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت