فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 381

إِشَارَةً إِلَى أَنَّ (( التَّخْلِيلَ ) )هَلْ يَكُونُ بِنَقْلِ المَاءِ، أَوْ بِإِدْخَالِ الأَصَابِعِ مَبْلُولَةً بِغَيْرِ نَقْلِ المَاءِ؟ وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَرْجِيحِ نَقْلِ المَاءِ، لَمَّا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ: (( ثُمَّ يَأخُذُ المَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ ) )، فَقَالَ هَذَا القَائِلُ: نَقْلُ المَاءِ لِتَخْلِيلِ الشَّعْرِ: هُوَ رَدٌّ عَلَى مَن يَقُولُ: يُخَلِّلُ بِأَصَابِعِهِ مَبْلُولَةً بِغَيْرِ نَقْلِ المَاءِ. قَالَ: وَذَكَرَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ مَا يُبَيِّنُ هَذَا، فَقَالَ: (( بَابُ تَخْلِيلِ الجُنُبِ رَأَسَهُ ) )، وَأَدْخَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِيهِ، فَقَالَتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشْرِبُ رَأَسَهُ، ثُمَّ يَحْثِي عَلَيْهِ ثَلَاثًا ) ). قَالَ: فَهَذَا بَيِّنٌ فِي التَّخْلِيلِ بِالمَاءِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ (( التَّخْلِيلَ ) )يَكُونُ بِمَجْمُوعِ الأَصَابِعِ العَشْرِ لَا بِالخَمْسِ.

الوَجْهُ السَّابِعُ: قَولُهَا: (( حَتَّى إِذَا ظَنَّ ) )يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ (( الظَّنُّ ) )هَهُنا بِمَعْنَى العِلْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَهُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ مِن رُجْحَانِ أَحَدِ الطَّرَفَينِ مَعَ احْتِمَالِ الآخَرِ، وَلَوْلَا قَولُهَا بَعْدَ ذَلِكَ: (( أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) )، لَتَرَجَّحَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى العِلْمِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُكْتَفًى بِهِ، أَي بِرَيِّ البَشَرَةِ، وَإِذَا كَانَ مُكْتَفًى بِهِ فِي الغَسْلِ تَرَجَّحَ اليَقِينُ، لَتَيَسَّرَ الوصُولِ إِلَيْهِ فِي الخُرُوجِ عَن الوَاجِبِ، عَلَى أَنَّهُ قَد يُكْتَفَى بِالظَّنِّ فِي هَذَا البَابِ، فَيَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مُطْلَقًا.

وَقَولُهَا: (( أََرْوَى ) )مَأْخُوذٌ مِن الرِّيِّ، الَّذِي هُوَ خِلَافُ العَطَشِ، وَهُو مَجَازٌ فِي ابْتِلَالِ الشَّعْرِ بِالمَاءِ، يُقَالُ: رَوِيتُ مِن المَاءِ - بِالكَسْرِ - رَوًى وَرَيًّا ورِيًّا، وَرِوًى، وَأَرْوَيْتُهُ أَنَا فَرَوِيَ. وَقَولُهَا: (( بَشَرَتَهُ ) )البَشَرَةُ ظَاهِرُ جِلْدِ الإِنْسَانِ، وَالمُرَادُ بِإِروَاءِ البَشَرَةِ إيصَالُ المَاءِ إِلَى جَمِيعِ الجِلْدِ، وَلَا يَصِلُ إِلَى جَمِيعِ جِلْدِهِ إِلَّا وَقَد ابْتَلَّتْ أُصُولُ الشَّعْرِ، أَوْ كُلُّهِ. وَقَولُهَا: (( أَفَاضَ المَاءَ ) )إِفَاضَةُ المَاءِ عَلَى الشَّيءِ: إِفْرَاغُهُ عَلَيْهِ، يُقَالُ: فَاضَ المَاءُ: إِذَا جَرَىَ، وَفَاضَ الدَّمْعُ: إِذَا سَالَ. وَقَولُهَا: (( عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ) )، أَيْ بَقِيَّتِهِ، فَإِنَّهَا ذَكَرَت الرَّأْسَ أَوَّلًا، وَالأَصْلُ فِي (( سَائِرِ ) )أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِمَعْنَى البَقِيَّةِ، وَقَالُوا: هُوَ مَأْخُوذٌ مِن السُّؤْرِ. قَالَ الشَّنْفَرَى:

إِذَا احْتَمَلُوا رَأْسِي وَفِي رَأْسِ أَكْثَرِي *

وَغُودِرَ المُلْتَقَى ثُمَّ سَائِري

أَي بَقِيَّتِي. وَقَد أُنْكِرَ فِي أَوْهَامِ الخَوَاصِّ جَعْلُهَا بِمَعْنَى الجَمِيعِ، وَفِي كِتَابِ الصِّحَاحِ مَا يَقْتَضِي تَجْويِزَهُ.

الوَجْهُ الثَّامِنُ: فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ المَرْأَةِ وَالرَّجُلِ مِن إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَقَد أُخِذَ مِنْهُ جَوَازُ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ، فَإِنَّهُمَا إِذَا اعْتَقَبا اغْتَرَافَ المَاءِ، كَانَ اغْتِرَافُ الرَّجُلِ فِي بَعْضِ الاغْتِرَافَاتِ مُتَأَخِّرًا عَن اغْتِرَافِ المَرْأةِ، فَيَكُونُ تَطَهُّرًا بِفَضْلِهَا. وَلا يُقَالُ: إِنَّ قَولَهَا: (( نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا ) )، يَقْتَضِي المُسَاوَاةَ فَي وَقْتِ الاغْتِرَافِ لِأََنََّا نَقُولُ: هَذَا اللَّفْظُ يَصِِحُ إِطْلَاقُهُ - أَعْنِي: (( نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا ) )، عَلَى مَا إِذَا تَعَاقَبَا الاغْتِرَافَ، وَلَا يِدُلُّ عَلَى اغْتِرَافِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وِلِلمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: أَحْمِلُهُ عَلَى شُرُوعِهِمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ عُمُومٌ، فَإِذَا قُلْتُ بِهِ مِن وَجْهٍ أَكْتَفِي بِذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

31 -الحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَن مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا , - زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ: (( وَضَعْتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت