فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 381

أَحَدُهَا: قَوْلُهَا: (( كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِن الجَنَابَةِ ) )يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ عَن إِرَادَةِ الفِعْلِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: (فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) [النَّحْلِ: 98] ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَولُهَا: (( اغْتَسَلَ ) )بِمَعْنَى شَرَعَ فِي الفِعْلِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: فَعَلَ إِذَا شَرَعَ، وَفَعَلَ إِذَا فَرَغَ، فَإِذَا حَمَلْنَا (( اغْتَسَلَ ) )عَلَى (( شَرَعَ ) )صَحَّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشُّرُوعُ وَقْتًا لِلبَدْاءَةِ بِغَسْلِ اليَدَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَولِهِ تَعَالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الشُّرُوعِ فِي القِرَاءَةِ وَقْتًا لِلاسْتِعَاذَةِ.

الوَجْهُ الثَّانِي: يُقَالُ: (( كَانَ يَفْعَلُ كَذَا ) )، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِعْلُهُ، وَكَانَ عَادَتَهُ، كَمَا يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ يَقْرِي الضَيْفَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْودَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ (( كَانَ ) )لِإِفَادَةِ مُجَرَّدِ الفِعْلِ، وَوُقُوعِ الفِعْلِ، دُونَ الدِّلَالَةِ عَلَى التَّكْرَارِ، وَالأَوَّلُ أََكْثَرُ فِي الاسْتِعْمَالِ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ الحَدِيثِ، وَقَولِ عَائِشَةَ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ ) ).

الوَجْهُ الثَّالِثُ: قَدْ تُطْلَقُ (( الجَنَابَةُ ) )عَلَى المَعْنَى الحُكْمِيِّ الَّذِي يَنْشَأُ عَن التِقَاءِ الخِتانَيْنِ، أَو الإِنْزَالِ، وَقَولُهَا: (( مِن الجَنَابَةِ ) )فِي (( مِن ) )مَعْنَى السبَبِيَّةِ، مَجَازًا عَن ابْتِدَاءِ الغَايَةِ، مِن حَيْثُ إِنَّ السَّبَبَ مَصْدَرٌ لِلمُسَبَّبِ وَمُنْشِئٌ لَهُ.

الوَجْهُ الرَّابِعُ: قَولُهَا: (( غَسَلَ يَدَيْهِ ) )، هَذَا الغُسْلُ قَبْلَ إِدْخَالِ اليَدَيْنِ الإِنَاءَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بِنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَن أَبِيهِ، عَن عَائِشَةَ.

الوَجْهُ الخَامِسُ: قَولُُهُا: (( وَتَوَضَّأََ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ) )يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ تَقْدِيمِ الغَسْلِ لِأَعْضَاءِ الوُضُوءِ في ابْتِدَاءِ الغُسْلِ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، نَعَمْ يَقَعُ البَحْثُ فِي أَنَّ هَذَا الغَسْلَ لِأَعْضَاءِ الوُضُوءِ هَلْ هُوَ وُضُوءٌ حَقِيقَةً؟ فَيُكْتَفَى بِهِ عَن غَسْلِ هَذِهِ الأَعْضَاءِ لِلجَنَابَةِ، فَإِنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الأَعْضَاءِ وَاحِدٌ، أَوْ يُقَالُ: إِنَّ غَسْلَ هَذِهِ الأَعْضَاءِ إِنَّمَا هُوَ عَن الجَنَابَةِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ عَلَى بَقِيَّةِ الجَسَدِ تَكْرِيمًا لَهَا وَتَشْرِيفًا، ويَسَقْطُ غَسْلُهَا عَن الوُضُوءِ بِانْدِرَاجِ الطَّهَارَةِ الصُغْرَى تَحْتَ الكُبْرَى، فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: قَولُهُا: (( وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ) )مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ تَقْدِيرُهُ: وُضُوءًا مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الأَعْضَاءُ المَغْسُولَةُ مَغْسُولَةً عَن الجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَغْسُولَةً عَن الوُضُوءِ حَقِيقَةً لَكَانَ قَدْ تَوَضَّأََ عِن الوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يَصِحُّ التَّشْبِيهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَغَايُرَ المُشَبَّهِ وَالمُشَبَّهِ بِهِ، فَإِذَا جَعَلْنَاهَا مَغْسُولَةً لِلجَنَابَةِ صَحَّ التَّغَايُرُ، وَكَانَ التَّشْبِيهُ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ.

وَجَوَابُهُ - بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُشَبَّهًا بِهِ - مِن وِجْهَتَينِ: أَحَدُهُمُا: أَنْ يَكُونَ شَبَّهَ الوُضُوءَ الوَاقِعَ فِي ابْتِدَاءِ غُسْلِ الجَنَابَةِ بِالوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ فِي غَيْرِ غُسْلِ الجَنَابَةِ. وَالوُضُوءُ - بِقَيْدِ كَونِهِ فِي غُسْلِ الجَنَابَةِِ - مُغَايِرٌ لِلوُضُوءِ بقَيدِ كَونِهِ خَارِجًا عَن غُسْلِ الجَنَابَةِ، فَيَحْصُلُ التَّغَايُرُ الَّذِي يَقْتَضِي صِحَّةَ التَّشْبِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ كَوْنِهِ وُضُوءًا لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً. الثَّانِي: لَمَّا كَانَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ لَهُ صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ ذِهْنِيَّةٌ شُبِّهَ هَذَا الفَرْدُ الَّذِي وَقَعَ فِي الخَارِجِ بِذَلِكَ المَعْلُومِ فِي الذِّهْنِ، كَأَنَّهُ يُقَالُ: أَوْقَعَ فِي الخَارِجِ مَا يُطَابِقُ الصُّورَةَ الذَّهْنِيَّةَ لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ.

الوَجْهُ السَّادِسُ: قَولُهَا: (( ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ شَعْرَهُ ) )التَّخْلِيلُ هَهُنَا إِدْخَالُ الأَصَابِعِ فِيمَا بَيْنَ أَجْزَاءِ الشَّعْرِ، وَرَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت