وقدْ يُجَابُ عنهُ بأمرٍ جَدَليٍّ لا يقومُ مقامَهُ. وهوَ أنْ يقالَ: دلَّ الحديثُ المُعيَّنُ على وقوعِ هذا الفعلِ، والأصلُ عدمُ غيرِه وقوعًا، بدَلالةِ الأصلِ. فينبغي أنْ يكونَ وقوعُهُ بيانًا. وهذَا قدْ يقوَى إذَا وجدنَا فعلًا ليسَ فيهِ شيءٌ ممَّا قامَ الدَّليلُ علَى عدمِ وجوبِه. فأمَّا إذا وُجدَ فيهِ شيءٌ من ذلكَ، فإذا جعلناهُ مبيِّنًا بدلالةِ الأصلِ على عدمِ غيرهِ، ودلَّ الدليلُ على عدمِ وجوبهِ: لزمَ النَّسخُ لذلكَ الوجوبِ الذي ثبتَ أوَّلًا فيهِ.
ولا شكَّ أنَّ مخالفةَ الأصلِ أقربُ من التزامِ النَّسخِ.
وقولُها: وكانَ يَفتتحُ الصَّلاةَ بالتكبيرِ يدلُّ على أمورٍ:
أحدُها: أنَّ الصَّلاةَ تُفْتَتَحُ بالتحريمِ، أَعنِي ما هوَ أعمُّ مِنَ التَّكبيرِ، بمعنَى أنَّهُ لا يكتفِي بِالنِّيَّةِ في الدخولِ فيهَا. فإنَّ التَّكبيرَ تحريمٌ مخصوصٌ. والدَالُّ على وجودِ الأخصِّ دالٌّ على وجودِ الأعمِّ. وأعنِي بالأعمِّ ههنا: هوَ المطلقُ. ونقلَ بعضُ المتقدِّمينَ خلافَه. وربَّما تأوَّلَه بعضُهم على مالِكٍ. والمعروفُ خلافُه عنه. وعن غيرِه.
الثَّاني: أنَّ التحريمَ يكونُ بالتكبيرِ خُصُوصًا. وأبو حنيفةَ يُخالفُ فيهِ ويكتفِي بمجرَّدِ التعظيمِ. كقولِه: (( اللهُ أجلُّ، أو أعظمُ ) )والاستدلالُ على الوجوبِ بهذَا الفعلِ، إمَّا على الطريقةِ السَّابقةِ مِن كونهِِ بيانًا للمجملِ. وفيهِ ما تقدَّمَ. وإمَّا بأنْ يُضمَّ إلى ذلكَ قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( صلُّوا كمَا رأيتُموني أُصلِّي ) )وقدْ فعلُوا ذَلك في مواضِعَ كثيرةٍ. واستدلُّوا على الوجوبِ بالفعلِ، معَ هذَا القولِ. أعني قولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( صلُّوا كمَا رأيتمونِي أصلِّي ) )وهذَا إذَا أُخِذَ مُفردًا عن ذكرِ سببِه وسياقِه: أَشْعَرَ بأنَّهُ خطابٌ للأُمَّةِ بأنْ يُصلُّوا كمَا صَلَّى_ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فيقوَى الاستدلالُ بهذهِ الطريقةِ على كلِّ فعلٍ ثَبَتَ أنَّهُ فَعَلَهُ في الصَّلاةِ. وإنَّمَا هذا الكلامُ قِطْعَةٌ مِن حديثِ مالكِ بنِ الحُويرِثِ قالَ: أتيْنَا رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحنُ شَبَبَةٌ متقاربونَ - فأقمنَا عندَه عشرينَ ليلةً. وكانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحيمًا رفيقًا. فظنَّ أنَّا قدِ اشْتَقْنَا أهلَنَا. فسألنَا عمَّنْ تركنَا منْ أهلِنَا؟ فأخبرناهُ. فقالَ: ارجعُوا إلى أهليكُمْ، فأقيمُوا فيهمْ وعلِّموهُم، ومُروهُم. فإذا حضرتِ الصَّلاةُ فليؤذِّنْ لكمْ أحدُكم. ثم ليؤُمَّكُم أكبرُكُم )) زادَ البخاريُّ (( وصلُّوا كمَا رأيتمونِي أصلِّي ) )فهذا خطابٌ لمالكٍ وأصحابِه بأن يُوقِعُوا الصَّلاةَ على ذلكَ الوجهِ الذي رأوْا النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصلِّي عليهِ ويُشاركُهم في هذَا الخطابِ كلُّ الأمَّةِ في أنْ يوقِعُوا الصَّلاةَ على ذلكَ الوجهِ. فمَا ثبتَ استمرارُ فعلِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهِ دائمًا: دخلَ تحتَ الأمرِ، وكانَ واجبًا. وبعضُ ذلكَ مقطوعٌ بهِ، أي مقطوعٌ باستمرارِ فعلهِ لهُ. وما لمْ يدلَّ دليلٌ على وجودِه في تلكَ الصَّلواتِ التي تعلَّقَ الأمرُ بإيقاعِ الصَّلاةِ علَى صفتِها - لا يُجزَمُ بتناولِ الأمرِ لَهُ.
وهذَا أيضًا يقالُ فيهِ من الجدلِ ما أشرنَا إليهِ.
وقولُها: والقراءةُ بـ (( الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ) )تَمسَّكَ بهِ مالكٌ وأصحابهُ فِي تركِ الذِّكرِ بينَ التكبيرِ والقراءةِ. فإنَّهُ لو تخلَّلَ ذِكْرٌ بينَهُمَا لم يكن الاستفتاحُ بالقراءةِ بـ (الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ) . وهذَا على أنْ تكونَ (( القراءةُ ) )مجرورةً لا منصوبةً، واستدلَّ بهِ أصحابُ مالكٍ أيضًا على تركِ التَّسميةِ في ابتداءِ الفاتحةِ. وتأوَّلَهُ غيرُهُم على أنَّ المرادَ: يفتتحُ بسورةِ الفاتحةِ قبلَ غيرِها منَ السُّورِ. وليسَ بقويٍّ. لأنَّهُ إنْ أُجريَ مَجرَى الحكايةِِ فذلكَ يقتضِي البداءةَ بهذَا اللَّفظِ بعينِه. فلاَ يكونُ قبلَه غيرُهُ. لأنَّ ذلكَ الغيرَ يكونُ