هوَ المُفْتَتَحُ بهِ. وإنْ جُعِلَ اسمًا فسورةُ الفاتحةِ لا تُسمَّى بهذَا المجموعِ. أعنِي (( الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ) )بل تُسمَّى بسورةِ الحَمدِ فلوْ كانَ لفظُ الرِّوايةِ (( كانَ يفتتحُ بالحمدِ ) )لقويَ هذا المعنَى. فإنَّهُ يدلُّ حينئذٍ على الافتتاحِ بالسُّورةِ التي البسملةُ بعضُها عندَ هذا المُتأوِّلِ لهذَا الحديثِ.
وقولُها: وكانَ إذَا ركعَ لمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ أيْ: لمْ يرفَعْهُ. ومادَّةُ اللَّفظِ تدلُّ على الارتفاعِ. ومنهُ: أشخَصَ بصَرَهُ، إذا رفَعَهُ نحوَ جهةِ العُلوِّ. ومنهُ الشَّخْصُ لارتفاعهِ لِلأَبْصَارِ ومنهُ: شَخَصَ المُسافرُ: إذَا خرجَ من منزِلِه إلى غيرهِ. ومنهُ ما جاءَ في بعضِ الآثارِ (( فشَخَصَ بي ) )أي: أتانِي ما يُقلِقُنِي. كأنَّهُ رُفعَ مِنَ الأرضِ لِقَلَقِهِ.
وقولُها: (( ولم يُصَوِّبْهُ ) )أيْ: لم يُنَكِّسْهُ. ومنهُ الصيِّبُ: المَطَرُ. صابَ يَصوبُ إذا نزَلَ. قالَ الشَّاعرُ:
فلستِ لإنْسِيٍّ ولكن لِمَلأَكٍ ... تنَزَّلَ من جَوِّ السماءِ يَصُوبُ
ومنْ أطلقَ (( الصيَّبَ ) )على الغيمِ فهوَ من بابِ المَجازِ. لأنهُ سببُ الصيِّبِ الذِي هو المطرُ.
وقولُها: ولكنْ بينَ ذلكَ إشارةٌ إلى المَسنُونِ في الرُّكوعِ. وهو الاعتدالُ واستواءُ الظَّهرِ والعُنُقِ.
وقولُها: وكانَ إذا رفَعَ رأسَهُ من الرُّكوعِ لمْ يسجدْ حتَّى يستويَ قائمًا دليلٌ علَى الرَّفعِ مِن الرُّكوعِ والاعتدالِ فيهِ. والفقهاءُ اختلفُوا في وجوبِ ذلكَ على ثلاثةِ أقوالٍ. الثالثُ: يجبُ مَا هُو إلى الاعتدالِ أقربُ. وهذا عندنَا مِن الأفعالِ التى ثَبَتَ استمرارُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهَا، أعنِي الرفعَ مِن الركوعِ.
وأمَّا قولُهُا: وكانَ إذا رفعَ رأسَه ُمِنَ السُّجودِ لمْ يسجدْ حتَّى يستويَ قاعدًا، يدلُّ على الرَّفعِ من السُّجودِ، وعلى الاستواءِ في الجلُوسِ بينَ السَّجدتينِ فأمَّا الرفعُ. فلا بدَّ منهُ. لأنَّه لا يُتصوَّرُ تعدُّدُ السجودِ إلا بهِ، بخلافِ الرفعِ من الرُّكوعِ. فإنَّ الركوعَ غيرُ متعدِّدٍ. وسهَا بعضُ الفُضلاءِ مِنَ المتأخِّرينَ، فذكرَ ما ظاهرُه الخلافُ في الرفعِ مِنَ الركوعِ والاعتدالِ فيهِ. فلمَّا ذكرَ السجودَ قالَ: الرَّفعُ منَ السُّجودِ والاعتدالُ فيهِ والطمأنينةُ كالركوعِ. فاقتضَى ظاهرُ كلامِه: أنَّ الخلافَ فِي الرَّفِع منَ الرُّكوعِ جارٍ في الرَّفعِ منَ السُّجودِ. وهذا سهوٌ عظيمٌ. لأنَّهُ لا يُتصوَّرُ خلافٌ في الرَّفعِ مِن السجودِ، إذِ السُّجودُ متعدِّدٌ شرعًا. ولا يُتصوَّرُ تعدُّدُهُ إلاَّ بالرَّفعِ الفاصلِ بينَ السَّجدتينِ.
وقولُها: وكانَ يقولُ في كلِّ ركعتينِ التحيَّةَ. أطلقتْ لفظَ (( التحيَّةِ ) )على التَّشهُّدِ كلِّهِ، من بابِ إطلاقِ اسمِ الجُزءِ على الكُلِّ. وهذا الموضِعُ ممَّا فارقَ فيهِ الاسمُ المُسمَّى. فإنَّ (( التحيَّةَ ) )المُلكُ، أو البقاءُ، أو غيرُهمَا علَى مَا سيأتِي. وذلكَ لا يُتصوَّرُ قولُه. وإنَّمَا يقالُ اسمُهُ الدالُّ عليهِ. وهذا بخلافِ قولِنَا أكلتُ الخبزَ وشربتُ الماءَ. فإنَّ الاسمَ هناكَ أُريدَ بهِ المُسمَّى. وأما لفظةُ الاسمِ: فقدْ قيلَ فيهَا: إنَّ الاسمَ هوَ المُسمَّى. وفيهِ نظرٌ دقيقٌ.
وقولُها: وكانَ يَفْرِشُ رجلَهُ اليُسرَى، وينصِبُ رجلَه اليُمنَى، يَستدلُّ بهِ أصحابُ أبي حنيفةَ على اختيارِ هذهِ الهيئةِ للجلوسِ