يديهِ فيهما - أيْ في الرُّكوعِ والرَّفعِ منهُ - ثبوتًا لا مَرَدَّ لهُ صحَّةً، فلاَ وجهَ للعدولِ عنهُ، إلا أنَّ في بلادِنَا هذهِ يُستحبُّ للعالِم تركُه، لِأَنَّهُ إِنْ فعلَهُ نُسِبَ إلى البدعةِ، وتأذَّى في عرضِه، وربَّمَا تعدَّتِ الأذيَّةُ إلى بدنِه. فوقايةُ العرضِ والبدنِ بتركِ سنةٍ: واجبٌ في الدِّينِ.
وقولُه: حذوَ منكبيهِ، هو اختيارُ الشَّافعيِّ في منتهى الرَّفعِ، وأبو حنيفةَ اختارَ الرفعَ إلى حذوِ الأُذُنَيْن، ِ وفيهِ حديثٌ آخرُ يدلُّ عليهِ، ورُجِّحَ مذهبُ الشَّافعيِّ بقوَّةِ السَّندِ، لحديثِ ابنِ عمرَ، وبكثرةِ الرُّواةِ لهذَا المعنى، فرُوِيَ عنِ الشَّافعيِّ أنَّهُ قالَ: ورَوَى هذا الخبرَ بِضعةَ عشرَ نفْسًا مِن الصَّحابةِ، وربَّمَا سلكَ طريقَ الجمعِ. فحملَ خبرَ ابنِ عمرَ عَلَى أنهُ رفعَ يديهِ حتَّى حاذَى كفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ. والخبرُ الآخرُ: على أنَّهُ رفعَ يديهِ حتَّى حاذتْ أطرافُ أصابعِهِ أذنيهِ. وقيلَ: إنَّهُ رُوِيَتْ روايةٌ منْ حديثِ عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ عنْ أبيهِ: كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا افتَتَحَ الصَّلاةَ رفعَ يديهِ حتَّى يحاذِي بهمَا مِنْكَبَيْهِ، ويحاذِي بإبهامَيْهِ أُذنيهِ.
واختَلفَ أصحابُ الشَّافعيِّ متى يبتدئُ التكبيرَ؟ فمنهمْ منْ قالَ: يبتدِئُ التَّكبيرَ معَ ابتداءِ رفع اليدينِ، ويتمُّ التَّكبيرُ مع انتهاءِ إرسالِ اليدينِ. ونُسبَ هذَا إلى روايةِ وائِلِ بنِِ حُجْرٍ. وقد نُقِلَ في روايةِ وائلِ بنِ حُجْرٍ: استقبلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكبَّرَ فرفعَ يديهِ حتَّى حاذى بهمَا أُذنيه ِ. وهذهِ الرِّوايةُ لا تدلُّ علَى ما نُسبَ إلى روايةِ وائِلِ بنِ حُجرٍ، وفي روايةٍ لأبي داوُدَ فيها بعضُ مجهولينَ، لفظُها: أنهُ رأى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يرفعُ يديهِ معَ التَّكبيرِ. وهذَا أقربُ في الدَّلالةِ. وفي روايةٍ أُخرَى لأبِي داوُدَ - فيها انقطاعٌ - أنَّهُ: أبصرَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ قامَ إلى الصَّلاةِ رفعَ يديهِ، حتَّى كانتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ، وحاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذنَيْهِ. ثم كبَّرَ. وفي روايةٍ أُخرَى أجودُ مِن هاتينِ: وكانَ إذا كبَّرَ رفعَ يديهِ. وهذهِ مُحتمَلَةٌ. لأنَّا إذا قلنَا: فلانٌ فعلَ: احتملَ أنْ يُرادَ شَرَعَ في الفعلِ. ويحتملُ أنْ يُرادَ فرغَ منهُ. ويحتملُ أنْ يرادَ: جملةُ الفعلِ. ومِن أصحابِ الشَّافعيِّ مَنْ قالَ: يرفعُ اليدينِ غيرَ مكبِّرٍ. ثمَّ يبتدئُ التَّكبيرَ معَ ابتداءِ الإرسالِ، ثمَّ يُتِمُّ التَّكبيرَ مع تمامِ الإرسالِ. ويُنسبُ هذا إلى روايةِ أبي حُميدٍ السَّاعدِيِّ. ومنهمْ مَنْ قالَ: يرفعُ اليدينِ غيرَ مُكَبِّرٍ، ثمَّ يُكبِّرُ ثمَّ يُرسِلُ اليَدينِ بعدَ ذلكَ، ويُنسبُ هذَا إلى روايةِ ابنِ عُمرَ.
وهذهِ الروايةُ التي ذكرَها المصنِّفُ ظاهرُها عندي مخالفٌ لمَا نُسِبَ إلىَ روايةِ ابنِ عُمرَ، فإنهُ جعلَ افتتاحَ الصَّلاةِ ظرفًا لرفعِ اليدينِ. فإمَّا أنْ يُحملَ الافتتاحُ على أوَّلِ جزءٍ من التَّكبيرِ، فينبغِي أن يكونَ رفعُ اليدينِ معهُ. وصاحبُ هذَا القولِ يقولُ: يرفعُ اليدينِ غيرَ مكبِّرٍ. وإمَّا أن يُحملَ الافتتاحُ علَى التَّكبيرِ كلِّهِ. فأيضًا لا يقتضِي أن يرفَعَ اليدينِ غيرَ مكبِّرٍ.
وقولُه: وقالَ سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ، ربَّنَا لكَ الحَمْدُ، يقتضِي جمعَ الإمَامِ بينَ الأمرينِ. فإنَّ الظَّاهرَ: أنَّ ابنَ عمرَ إنَّمَا حكَى ورَوَى عن حالةِ الإمامَةِ. فإنَّهَا الحالةُ الغالبةُ علَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغيرُها نادرٌ جدًّا. وإنْ حُملَ اللفظُ على العُمومِ دخلَ فيهِ المُنفَرِدُ والإمامُ. وقد فُسِّرَ قولُه: (( سَمِعَ اللهُ لمَنْ حَمِدَهُ ) )أي: استجَابَ اللهُ دعاءَ مَنْ حمدَهُ، وقد تقدَّمَ الكلامُ في إثباتِ الواوِ وحذفِهَا.
وقولُه: وكانَ لا يفعلُ ذلكَ في السُّجودِ، يعنِي الرَّفعَ. وكأنهُ يريدُ بذلكَ عندَ ابتداءِ السُّجودِ، أو عندَ الرَّفعِ منهُ، وَحَمْلُهُ علَى