فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 381

وَهَذَا الحديثُ مَعمولٌ بهِ عندَ فُقَهاءِ الأَمْصَارِ. وعن بَعضِ المُتَقدِّمِينَ وَالظَّاهِرِيَّةِ فِيهِ خِلافٌ مِن بعضِ الوُجُوهِ. وَصيغَةُ النَّفْي إذَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلِ أَلفَاظِ صَاحبِ الشَّرْعِ، فَالأَوْلَى: حَمْلُهَا عَلَى نَفْي الفِعْلِ الشَّرْعِيِّ. لا عَلَى نَفِي الفِعلِ الوُجُودِيِّ. فَيَكونُ قَولُهُ: (( لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبحِ ) )نَفْيًا للصَّلاةِ الشَّرْعِيَّةِ، لا الحِسِّيَّةِ. وَإنَّما قُلْنَا ذَلِكَ، لأَنَّ الظَّاهِرَ: أنَّ الشَّارِعَ يُطْلِقُ أَلفَاظَهُ عَلَى عُرْفِهِ. وَهُو الشَّرْعِيُّ.

وَأيضًا فإنَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الفِعْلِ الحِسِّيِّ - وَهُو غَيرُ مُنْتَفٍ - احْتَجْنَا إِلى إِضْمَارٍ لِتصْحيحِ اللَّفْظِ. وَهُو المُسَمَّى بِدَلالَةِ الاقْتِضَاءِ. وَيبْقَى النَّظَرُ فِي أنَّ اللَّفْظَ يَكونُ عامًّا أو مُجْمَلًا، أو ظَاهِرًا فِي بَعضِ المَحَامِلِ. أمَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَم نَحْتَجْ إلى إضْمَارٍ. فَكَانَ أَوْلَى.

وَمِن هَذَا البَّحْثِ يُطَّلَعُ عَلَى كَلامِ الفُقَهَاءِ فِي قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ) )فَإنَّكَ إذا حَمَلْتَهُ عَلَى الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَم تَحْتَجْ إلى إضْمَارٍ. فَإنَّهُ يَكُونُ نَفْيًا للنِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ. وَإنْ حَملْتَهُ عَلَى الحَقِيقَةِ الحِسِّيَّةِ - وَهي غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ عِنْدَ عَدَمِ الوَلِيِّ حِسًّا - احْتَجْتَ إِلى إِضْمَارٍ. فَحِينَئذٍ يُضْمِرُ بَعْضُهُم (( الصِّحَّةَ ) )وَبعضُهُمْ (( الكَمَالَ ) )، وكذلكَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّت الصِّيامَ مِن الْلَيلِ ) ).

وَأمَّا حَديثُ أَبِي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ. وَهُو أبُو سَعيدٍ سَعْدُ بنُ مَالِكِ بنِ سِنَانٍ. وَ (( خُدْرَةُ ) )مِن الأنْصَارِ. فَالكَلامُ عَليهِ تَقَدَّمَ. وفي هَذَا الحَدِيثِ زِيادَةٌ عَلَى الأَوَّلِ. فَإِنَّهُ مَدَّ الكَرَاهَةَ إلى ارْتِفاعِ الشَّمْسِ. وَلَيسَ المُرَادُ مُطْلَقَ الارتِفَاعِ عن الأُفُقِ، بَل الارْتِفَاعُ الَّذِي تَزُولُ عِندَهُ صُفْرةُ الشَّمسِ، أو حُمْرَتُهَا. وَهُو مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ رُمْحٍ أو رُمْحَينِ. وَقَولُهُ: (( لاَ صَلاةَ ) )فِي الحَدِيثَينِ، عَامٌّ فِي كُلِّ صَلاةٍ. وَخَصَّهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ بِالنَّوَافِلِ، وَلَم يَقُولا بِهِ فِي الفَرائِضِ الفَوَائِتِ. وَأَبَاحَاهَا فِي سَائِرِ الأَوْقَاتِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِالامْتِنَاعِ. وَهُوَ أَدْخَلُ فِي العُمُومِ، إِلَّا أنَّهُ قَد يُعَارَضُ بِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَن نَامَ عَن صَلاةٍ أوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا ) )، وَكَونُهُ جَعَلَ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ (( لا وَقْتَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ) ). إِلَّا أنَّ بَيْنَ الحَدِيثَينِ عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وَجْهٍ. فَحَديثُ النَّهْيِ عَن الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبعدَ العَصرِ: خَاصٌّ فِي الوَقْتِ، عَامٌّ فِي الصَّلاةِ. وَحَدِيثُ النَّومِ وَالنِّسْيَانِ خَاصٌّ فِي الصَّلاةِ الفَائِتَةِ، عَامٌّ فِي الوَقْتِ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِ عَامٌّ مِن وَجْهٍ، وَخَاصٌّ مِن وَجْهٍ. فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ.

قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: وَفي البَابِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَعَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ , وَأبِي هُرَيرَةَ، وَسَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ، وَسَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ، وَزَيدِ بنِ ثَابِتٍ، وَمُعَاذِ بنِ عَفْرَاءَ، وَكَعْبِ بنِ مُرَّةَ، وَأَبِي أُمَامةَ البَاهِلِيِّ، وَعَمْرِو بنِ عَبسَةَ السُّلَمِيِّ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَالصُّنَابِحِيِّ. وَلَم يُسْمَعْ مِن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أمَّا (( عَلِيٌّ ) )فَهُوَ عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ أميرُ المُؤمِنينَ، أَبُو الحَسَنِ وَاسْمُ أَبِيهِ أَبُو طَالِبٍ: عَبدُ مَنَافٍ. وَقِيلَ: اسْمُه كُنْيَتُهُ. وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ذُو الفَضَائِلِ الجَمَّةِ الَّتِى لا تَخْفَى. قِيلَ: أسْلَمَ وَهُو ابنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ، أو اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، أَو خَمْسَ عَشْرَةَ أوْ سِتَّ عَشْرَةَ، أَو عَشْرٍ، أو ثَمَانٍ. أَقْوَالٌ. وَقُتِلَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالكُوفَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِن الهِجْرَةِ فِي رَمَضَانَ.

وَأمَّا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودِ بنِ شَمْخٍ، فَهُو أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَحَدُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ. مَاتَ بِالمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت