فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 381

الثَّانِي: أنَّ هَذَا الاحْتِمالَ الَّذِي قُلْنَاهُ - مِن جَوَازِ إدْرَاجِهِ تَحتَ العُمُومَاتِ - نُريدُ بِهِ فِي الفِعْلِ، لا فِي الحُكْمِ باستحْبابِ ذَلكَ الشَّيءِ المَخْصُوصِ بِهَيْئَتِهِ الخَاصَّةِ. لأنَّ الحُكْمَ بِاستِحْبَابِهِ عَلَى تِلكَ الهَيْئَةِ الخَاصَّةِ: يَحْتَاجُ دَليلًا شَرعِيًّا عَليهِ وَلابُدَّ، بِخِلافِ مَا إِذَا فُعِلَ بِنَاءً عَلَى أنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الخَيْرَاتِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِذلكَ الوَقتِ، وَلابِتِلكَ الهَيئَةِ. فَهَذَا هُوَ ... الَّذِي قُلنَا بِاحْتِمَالِهِ.

الثَّالثُ: قَد مَنعْنَا إحْداثَ مَا هُوَ شِعَارٌ فِي الدِّينِ. وَمِثالُهُ: مَا أَحْدَثَتْهُ الرَّوافِضُ مِن عِيدٍ ثَالِثٍ، سَمَّوهُ عِيدَ الغَدِيرِ. وَكذلكَ الاجْتِمَاعُ وَإقامةُ شِعَارِهِ فِي وقتٍ مَخْصوصٍ عَلَى شَيءٍ مَخصوصٍ، لَم يَثْبُتْ شَرْعًا. وَقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ: أنْ تَكُونَ العِبَادَةُ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ مُرَتَّبةً عَلَى وَجْهٍ مَخْصوصٍ. فَيُرِيدُ بَعضُ النَّاسِ: أَنْ يُحْدِثَ فيها أمْرًا آخَرَ لَم يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، زَاعِمًا أَنَّهُ يُدْرِجُهُ تَحتَ عُمُومٍ. فَهَذَا لا يَسْتَقِيمُ. لأنَّ الغَالِبَ عَلَى العِبَادَاتِ التَّعَبُّدُ، وَمَأْخَذُهَا التَّوقِيفُ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ: حَيثُ لا يَدُلُّ دَليلٌ عَلَى كَرَاهةِ ذلكَ المُحْدَثِ أو مَنْعِهِ. فَأَمَّا إِذَا دَلَّ فَهو أقْوى فِي المَنْعِ وَأظْهَرُ مِن الأَوَّلِ. وَلَعَلَّ مِثَالَ ذلكَ، مَا وَردَ فِي رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي القُنُوتِ. فَإنَّهُ قَد صَحَّ رَفْعُ اليَدِ فِي الدُّعَاءِ مُطلَقًا. فَقَالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ. تُرْفَعُ اليَدُ فِي القُنُوتِ لأنَّهُ دُعَاءٌ. فَيَنْدَرِجُ تَحتَ الدَّليلِ المُقْتَضِي لاسْتِحْبابِ رَفْعِ اليَدِ فِي الدُّعاءِ. وَقالَ غيرُهُ: يُكْرَهُ؛ لأنَّ الغَالِبَ عَلَى هَيئَةِ العِبَادةِ التَّعَبُّدُ وَالتَّوقِيفُ. وَالصَّلاةُ تُصَانُ عَن زِيَادَةِ عَمَلٍ غَيرِ مَشرُوعٍ فِيهَا. فإذا لم يَثْبُتِ الحَدِيثُ فِي رَفْعِ اليَدِ فِي القُنُوتِ: كَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُ عَلَى صِيَانَةِ الصَّلاةِ عَن العَمَلِ الَّذِي لَم يُشْرَعْ: أَخَصَّ مِن الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى رَفعِ اليَدِ فِي الدُّعَاءِ.

الرَّابِعُ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِن المَنْعِ: فَتَارَةً يَكونُ مَنْعَ تَحْريمٍ، وَتَارَةً مَنْعَ كَرَاهَةٍ. وَلَعَلَّ ذلكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ما يُفْهَمُ مِن نَفْسِ الشَّرْعِ مِن التَّشْدِيدِ فِي الابتِدَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الجِنْسِ أو التَّخْفِيفِ. أَلا تَرى أَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلى البِدَعِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ الدُّنيا: لَم تُسَاوِ البِدَعَ المُتَعَلِّقَةَ بِأُمُورِ الأحْكَامِ الفَرْعِيَّةِ. وَلَعَلَّهَا - أعْنِي البِدَعَ المُتَعَلِّقَةَ بِأُمورِ الدُّنْيا - لا تُكْرَهُ أصْلًا. بَل كَثِيرٌ مِنْها يُجْزَمُ فِيهِ بِعَدمِ الكَرَاهَةِ. وَإذا نَظَرْنَا إِلى البِدَعِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأحْكَامِ الفَرْعِيَّةِ: لَم تَكُنْ مُسَاوِيَةً لِلْبِِدَعِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُصولِ العَقَائدِ.

فَهَذَا مَا أَمْكَنَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا المَوضِعِ، مَع كَونِهِ مِن المُشْكِلاتِ القَوِيَّةِ، لِعَدَمِ الضَّبْطِ فِيهِ بِقَوانِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا لِلسَّابِقِينَ. وَقَد تَبَايَنَ النَّاسُ فِي هَذَا البَابِ تَبايُنًا شَدِيدًا، حَتَّى بَلَغَنِي: أنَّ بَعْضَ المَالِكِيَّةِ مَرَّ فِي لَيلَةٍ مِن إِحْدَى لَيْلَتَي الرَّغَائِب - أَعْنِي الَّتِي فِي رَجَبٍ أوْ الَّتِي فِي شَعْبَانَ - بِقَومٍ يُصَلُّونَهَا، وَقَومٍ عَاكِفِينَ عَلَى مُحَرَّمٍ، أَوْ مَا يُشْبِهُهُ، أو ما يُقَارِبُهُ. فَحَسَّنَ حَالَ العَاكِفِينَ عَلَى المُحَرَّمِ عَلَى حَالِ المُصَلِّينَ لِتِلكَ الصَّلاةِ. وَعلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ العَاكِفِينَ عَلَى المُحَرَّمِ عَالِمُونَ بِارْتِكَابِ المَعْصِيَةِ، فَيُرجَى لَهُم الاسْتِغْفَارُ وَالتَّوبَةُ، وَالمُصَلُّونَ لِتِلكَ الصَّلاةِ - مَع امْتِنَاعِهَا عِنْدَهُ - مُعْتَقِدُونَ أنَّهُم فِي طَاعةٍ. فَلا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرونَ.

وَالتَّبَاينُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إِلَى الحَرْفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَهَوُ إِدْرَاجُ الشِّيءِ المَخْصُوصِ تَحْتَ العُمُومَاتِ، أَو طَلَبُ دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى ذَلكَ الشَّيءِ الخاصِّ. وَمَيْلُ المَالِكِيَّةِ إِلَى هَذَا الثَّانِي. وَقَد وَرَدَ عَن السَّلَفِ الصَّالحِ مَا يُؤيِّدُه فِي مَواضِعَ أَلا تَرَى أَنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ فِي صَلاةِ الضُّحَى: إنَّهَا بِدْعَةٌ؛ لأنَّهُ لَم يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِيهَا دَلِيلٌ. وَلَم يَرَ إِدْرَاجَهَا تَحْتَ عُمُومَاتِ الصَّلاةِ لِتَخْصِيصِهَا بِالوقْتِ المَخْصُوصِ. وَكَذَلكَ قَالَ فِي القُنُوتِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي عَصْرِهِ: إِنَّهُ بِدْعَةٌ , وَلَمْ يَرَ إِدْرَاجَهُ تَحْتَ عُمُومَاتِ الدُّعاءِ. وَكَذَلكَ مَا رَوى التِّرْمِذِيُّ مِن قَولِ عَبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ لابْنِهِ فِي الجَهرِ بِالبَسْمَلَةِ: إِيَّاكَ وَالحَدَثَ. وَلَم يَرَ إِدْارَجَهُ تَحْتَ دَلِيلٍ عَامٍّ , وَكَذلكَ مَا جَاءَ عَن ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ بِسَنَدِهِ عَن قَيسِ بنِ أبِي حَازمٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت