فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 381

رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بعْدَ الْعِشَاءِ )) .

وَفِي لَفْظٍ (( فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشاءُ والجُمُعةُ فَفِي بَيْتِهِ ) ).

وَفِي لَفْظٍٍ. أنَّ ابنَ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يُصلِّي سَجْدتَيْنِ خَفِيفَتَينِ بَعْدَما يَطْلُعُ الفَجْرُ. وَكَانَتْ سَاعةً لا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا.

هَذَا الحَدِيثُ: يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ الرَّواتِبِ الَّتِي قَبْلَ الفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا العَدَدِ مِنْهَا. وَفِي تَقْدِيمِ السُّنَنِ عَلَى الفَرَائضِ وَتَأخِيرِهَا عَنْهَا: مَعْنَىً لَطِيفٌ مُنَاسِبٌ. أمَّا فِي التَّقْدِيمِ: فَلأَنَّ الإِنْسَانَ يَشْتَغِلُ بِأُمُورِ الدُّنْيا وَأَسْبَابِهَا. فَتَتَكَيَّفُ النَّفْسُ مِن ذَلِكَ بِحَالَةٍ بَعِيدةٍ عَن حُضُورِ القَلْبِ فِي العِبَادَةِ، وَالخُشُوعِ فِيهَا، الَّذِي هُوَ رُوحُهَا. فَإِذَا قُدِّمَت السُّنَنُ عَلَى الفَرِيضَةِ تَأَنَّسَتِ النَّفْسُ بِالعِبَادَةِ، وَتَكَيَّفَتْ بِحَالَةٍ تُقَرِّبُ مِن الخُشُوعِ. فَيَدْخُلُ فِي الفَرَائضِ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ لَم تَكُنْ تَحْصُلُ لَهُ لَو لَمْ تُقَدَّم السُّنَّةُ. فَإِنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّكَيُّفِ بِمَا هِيَ فِيهِ، لاسِيَّمَا إِذَا كَثُرَ أَو طَالَ. وَوُرُودُ الحَالَةِ المُنَافِيَةِ لِمَا قَبْلَهَا قَد يَمْحُو أثَرَ الحَالَةِ السَّابِقَةِ أَو يُضْعِفُهُ. وَأمَّا السُّنَنُ المُتَأَخِّرَةُ: فَلَمَّا وَرَدَ أَنَّ النَّوَافِلَ جَابِرةٌ لنُقصَانِ الفَرَائضِ. فَإِذا وَقَعَ الفَرْضُ نَاسَبَ أَنْ يَكَونَ بَعْدَهُ مَا يُجْبِرُ خَلَلًا فِيهِ إِنْ وَقَعَ.

وقَد اخْتَلَفْت الأحَادِيثُ فِي أَعْدَادِ رَكَعَاتِ الرَّواتِبِ فِعْلًا وَقَولًا. وَاخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الفُقَهَاءِ فِي الاخْتِيَار لتِلْكَ الأعْدَادِ وَالرَّواتِبِ. وَالمَرْوِيُّ عَن مَالِكٍ: أنَّهُ لا تَوْقِيتَ فِي ذَلكَ. قَالَ ابنُ القَاسِمِ صَاحِبُهُ: وَإِنَّمَا يُوقِّتُ فِي هَذَا أهْلُ العِرَاقِ.

وَالحَقُّ - وَاللهُ أعلمُ - فِي هَذَا البابِ - أَعْني مَا وردَ فيهِ أحاديثُ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّطَوُّعَاتِ وَالنَّوافِلِ المُرْسَلَةِ - أنَّ كُلَّ حَديثٍ صَحيحٍ دَلَّ عَلَى اسْتِحْبابِ عَدَدٍ مِن هَذه الأعدادِ، أَو هَيْئةٍ مِن الهَيْئاتِ، أَو نَافِلَةٍ مِن النَّوافِلِ. يُعْمَلُ بِهِ فِي اسْتِحْبَابِهِ. ثُمَّ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ ذَلِكَ المُستَحَبِّ. فَمَا كَانَ الدَّليلُ دَالًّا عَلَى تَأَكُّدِِِهِ - إمَّا بِمُلازَمَتِهِ فِعْلًا، أو بِكَثْرَةِ فِعْلِهِ، وَإِمَّا بِقُوَّةِ دَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَى تَأَكُّدِ حُكْمِهِ، وَإمَّا بمُعَاضَدَةِ حَديثٍ آخَرَ لَهُ، أَوْ أحَادِيثَ فِيهِ - تَعْلُو مَرْتَبَتُهُ فِي الاسْتِحْبابِ. وَما يَقْصُرُ عن ذلكَ كانَ بعْدَهُ فِي المَرْتَبَةِ، وَمَا وردَ فيهِ حَديثٌ لا يَنْتَهِي إلى الصِّحَّةِ، فَإنْ كانَ حَسَنًا عُمِلَ بِهِ إْن لَم يُعَارِضْهُ صحيحٌ أقْوى منهُ. وَكانتْ مَرتبتُهُ نَاقصِةً عَن هذهِ المَرْتبةِ الثَّانيةِ، أَعني الصَّحيحَ الَّذِي لم يَدُمْ عَلَيهِ، أَو لَم يُؤكِّدِ اللَّفْظَ فِي طَلَبِهِ. ومَا كَان ضَعِيفًا لا يَدخُلُ فِي حَيِّزِ المَوضُوعِ، فَإنْ أَحْدَثَ شِعَارًا فِي الدِّينِ: مُنِعَ مِنْهُ. وَإِنْ لَم يُحدِثْ فَهوَ مَحَلُّ نَظَرٍ. يُحْتَمَلُ أنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مُستَحَبٌّ لِدُخُولِهِ تَحتَ العُمُومَاتِ المُقْتَضِيَةِ لِفِعْلِ الخَيْرِ، وَاسْتِحْبَابِ الصَّلاةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الخُصُوصِيَّاتِ بِالوقتِ أو بِالحَالِ، وَالهيْئَةِ وَالفِعْلِ المَخْصُوصِ: يَحْتَاجُ إِلَى دَليلٍ خَاصٍّ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَهُ بِخُصُوصِهِ. وَهَذَا أَقْرَبُ. واللهُ أعلمُ. وَهَهُنا

تَنْبِيهَاتٌ:

الأُولَى: أنَّا حيثُ قُلْنَا فِي الحَديثِ الضَّعَيفِ: إنَّهُ يُحتَمَلُ أنْ يُعْمَلَ بهِ لِدُخولِهِ تَحْتَ العُمُومَاتِ، فَشَرْطُهُ: أَنْ لا يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى المَنْعِ مِنْهُ أَخَصُّ مِن تِلكَ العُمُومَاتِ مِثَالُهُ: الصَّلاةُ المَذْكُورَةُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِن رَجَبٌ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الحَديثُ، وَلا حَسُنٌ. فَمَن أرادَ فِعْلَهَا - إِدْرَاجًا لَهَا تَحتَ العُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ الصَّلاةِ وَالتَّسْبِيحَاتِ - لَم يَسْتَقِمْ، لأنَّهُ قَد صَحَّ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( نَهَى أَنْ تُخَصَّ لَيلَةُ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ ) )وَهَذَا أَخَصُّ مِن العُمُومِيَّاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ مُطْلَقِ الصَّلاةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت