فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 381

بشرطِ العتقِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يمنعُ كونَ عَائِشَةَ مُشْتَرِيَةً للرقبةِ، ويُحْمَلُ عَلَى قضاءِ الكتابةِ عن بَرِيرَةَ، أَوْ عَلَى شراءِ الكتابةِ خاصَّةً، والأَوَّلُ ضعيفٌ، مُخَالِفٌ للفظِ الواردِ فِي بَعْضِ الرواياتِ، وَهُوَ قولُه عَلَيْهِ السَّلامُ: (( ابتاعي ) ). وَأَمَّا الثَّانِي، فَإِنَّهُ محتاجٌ فِيهِ إِلَى أن يكونَ قَدْ قيلَ بمنعِ البيعِ بشرطِ العتقِ، مَعَ جوازِ بيعِ الكتابةِ، ويكونُ قَدْ ذهبَ إِلَى الجمعِ بَيْنَ هذينِ ذاهبٌ واحدٌ معيَّنٌ، وَهَذَا يُسْتَمَدُّ مِن مسألةِ إحداثِ القولِ الثالثِ.

الرابعُ: إِذَا قُلْنَا بصحَّةِ البيعِ بشرطِ العتقِ، فَهَلْ يصحُّ الشرطُ أَوْ يَفْسُدُ؟ فِيهِ قولانِ للشَّافعيِّ، أصحُّهُمَا أن الشرطَ يصحُّ؛ لأن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُنْكِرْ إِلاَّ اشتراطَ الولاءِ، والعقدُ تَضَمَّنَ أمرينِ: اشْتِرَاطَ العتقِ، واشْتِرَاطَ الولاءِ، ولم يقعْ الإِنكارُ إِلاَّ للثاني، فيبقى الأَوَّلُ مُقَرَّرًا عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِن لفظِ الحديثِ؛ فإنَّ قولَه: (( اشْتَرِطِي لَهُم الولاءَ ) )من ضرورةِ اشتراطِ العتقِ، فيكونُ من لوازمِ اللفظِ، لاَ من مجرَّدِ التقريرِ، ومعنى صحَّةِ الشرطِ أَنَّهُ يلزمُ الوفاءُ بِهِ من جهةِ المُشْتَرِي، فإن امتنعَ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ أم لاَ؟ فِيهِ اختلافٌ بَيْنَ أصحابِ الشَّافعيِّ، وَإِذَا قُلْنَا: لاَ يُجْبَرُ، أَثْبَتْنَا الخيارَ للبائعِ.

الخامسُ: اشْتِرَاطُ الولاءِ للبائعِ، هَلْ يُفْسِدُ العقدَ؟ فِيهِ خلافٌ، وظاهرُ الحديثِ أَنَّهُ لاَ يُفْسِدُه، لِمَا قَالَ فِيهِ: (( واشْتَرِطِي لَهُم الولاءَ ) )، وَلاَ يَأْذَنُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عقدٍ باطلٍ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ صحيحٌ، فَهَلْ يصحُّ الشرطَ؟ فِيهِ اختلافٌ فِي مذهبِ الشَّافعيِّ، والقولُ ببطلانِه مُوَافِقٌ لألفاظِ الحديثِ وسياقِه، وموافقٌ للقياسِ أَيْضًا مِن وجهٍ، وَهُوَ أنَّ القياسَ يقتضِي أن الأثرَ مختصٌّ بِمَن صدَرَ مِنْهُ السببُ، والولاءُ مِن آثارِ العتقِ، فيخْتَصُّ بِمَن صدَرَ مِنْهُ العتقُ، وَهُوَ المُعْتِقُ، وَهَذَا التمسُّكُ والتوجيهُ فِي حصَّةِ البيعِ والشرطِ يَتَعَلَّقُ بالكلامِ عَلَى معنى قولِه: (( واشْتَرِطِي لهم الولاءَ ) )، وسيأتي.

السادسُ: الكلامُ عَلَى الإِشكالِ العظيمِ فِي هَذَا الحديثِ، وَهُوَ أنْ يقالَ: كيفَ يأذنُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي البيعِ عَلَى شرطٍ فاسدٍ؟

وكيفَ يأذنُ، حَتَّى يقعَ البيعُ عَلَى هَذَا الشرطِ، فيَدْخُلُ البائعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَبْطُلُ اشتراطُه؟

فاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الكلامِ عَلَى هَذَا الإِشكالِ، فَمِنْهُمْ من صَعُبَ عَلَيْهِ، فأَنْكَرَ هَذِهِ اللفظةَ، أعني قولَه: (( واشْتَرِطِي لهم الولاءَ ) )، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عن يحيى بنِ أكثمَ، وبلَغَنِي عن الشَّافعيِّ قريبٌ مِنْهُ، وَأَنَّهُ قَالَ: (( اشْتِراطُ الولاءِ ) )رواه هشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أبيه، وانفردَ بِهِ دونَ غيرِه مِن رواةِ هَذَا الحديثِ، وغيرُه مِن رُوَاتِه أثبتُ مِن هشامٍ، والأكثرونَ على إثباتِ اللفظةِ، للثقةِ براويها، واخْتَلَفُوا فِي التأويلِ والتخريجِ، وذُكِرَ فِيهِ وجوهٌ:

أحدُها: أن (( لهم ) )بمعنى عَلَيْهِم، واسْتَشْهَدُوا لِذَلِكَ بقولِه تَعَالَى: (ولَهُمُ اللَّعْنَةُ) [غافر: 52] بمعنى (( عَلَيْهِم ) (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) [الإسراءُ: 7] بمعنى (( عَلَيْهَا ) )، وَفِي هَذَا ضعفٌ، أَمَّا أولًا: فلأن سياقَ الحديثِ وكثيرًا من ألفاظِه يَنْفِيه. وَأَمَّا ثانيًا: فلأن اللامَ لاَ تدلُّ بوضعِها عَلَى الاختصاصِ النافعِ، بل تدلُّ عَلَى مُطْلَقِ الاختصاصِ، فَقَدْ يكونُ فِي اللفظِ مَا يدلُّ عَلَى الاختصاصِ النافعِ، وَقَدْ لاَ يكونُ.

وثانيهما: مَا فَهِمْتُه من كَلامِ بَعْضِ الْمُتأخِّرِينَ، وتلخيصُه أَنْ يَكُونَ هَذَا الاشتراطُ بِمَعنى تركِ المخالفةِ لِمَا شَرَطَه البائعونَ، وعدمِ إظهارِه النزاعَ فيما دَعَوْا إليه، وَقَدْ يُعبَّرُ عن التخليةِ والتركِ، بصيغةٍ تدلُّ على الفعلِ، أَلاَ ترى أَنَّهُ قَدْ أُطْلِقَ لفظُ الإِذنِ مِن اللهِ تَعَالَى، عَلَى التَّمْكِينِ من الفعلِ، والتخليةِ بَيْنَ العبدِ وبينه، وَإِن كَانَ ظاهرُ اللفظِ يقتضِي الإِباحةَ والتجويزَ؟ وَهَذَا موجودٌ فِي كتابِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَا يذكرُه المفسِّرُونَ، كَمَا فِي قَولِه تَعَالَى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت