وقولُه: (( فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابَه أن يجعلُوها عُمْرَةً ) )فِيْهِ عمومٌ وَهُوَ مخصوصٌ بأصحابِه الذين لم يكنْ معهم هديٌ، وَقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي حديثٍ آخرَ. وفَسْخُ الحجِّ إلى العمرةِ، كَانَ جائزًا بِهَذَا الحديثِ. وقيلَ: إنَّ عِلَّتَهُ حَسْمُ مادةِ الجاهليةِ فِي اعتقادِها أن العمرةَ فِي أشهرِ الحجِّ من أفجرِ الفجورِ.
واخْتَلَفَ النَّاسُ فيما بعدَ هَذِهِ الواقعةِ: هَلْ يجوزُ فسخُ الحجِّ إِلَى العمرةِ، كَمَا فِي هَذِهِ الواقعةِ، أم لاَ؟ فذهبَ الظاهريةُ إِلَى جوازِه، وذهبَ أكثرُ الفقهاءِ المشهورينَ إِلَى منعِه، وقيلَ: إنَّ هَذَا كَانَ مخصوصًا بالصحابةِ، وَفِي هَذَا حديثٌ، عن أبِي ذرٍّ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، وعن الحارثِ بنِ بلالٍ، عن أبيه أَيْضًا، أعني فِي كونِه مخصوصًا.
وقولُه: (( فَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا ) ). يَحْتَمِلُ قولُه: (( فيطوفُوا ) )وجهينِ: أحدُهما: أن يُرَادَ بِهِ الطوافُ بالبيتِ عَلَى مَا هُوَ المشهورُ. ويكونُ فِي الكلامِ حذفٌ، أي: يطوفُوا ويَسْعَوا، فإن العمرةَ لاَ بدَّ فِيْهَا مِن السعيِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ اسْتَعْمَلَ الطوافَ فِي الطوفِ بالبيتِ، وَفِي السعيِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَدْ يُسَمَّى طوافًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) [البقرة: 158] .
وقولُه: (( فقالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنىً، وذَكَرُ أحدِنا يَقْطُرُ ) ). فِيْهِ دليلٌ عَلَى استعمالِ المبالغةِ فِي الكلامِ، فإنهم إِذَا حَلُّوا مِن العمرةِ، وواقعُوا النساءَ، كَانَ إحرامُهم للحجِّ قريبًا مِن زمنِ المُوَاقَعَةِ، والإِنزالِ، فَحَصَلَت المبالغةُ فِي قربِ الزمانِ، بأنْ قيلَ: (( وذَكَرُ أحدِنا يَقْطُرُ ) ). وكأنَّهُ إشارةٌ إِلَى اعتبارِ المعنى فِي الحجِّ، وَهُوَ الشَّعَثُ، وعدمُ الترفُّهِ، فَإِذَا طالَ الزمنُ فِي الإحرامِ، حصلَ هَذَا المقصودُ، وَإِذَا قَرُبَ زمنُ الإِحرامِ مِن زمنِ التحلُّلِ، ضَعُفَ هَذَا المقصودُ، أَوْ عُدِمَ، وكأنَّهُم استنكرُوا زوالَ هَذَا المقصودِ أَوْ ضعفَه؛ لِقُرْبِ إحرامِهم مِن تَحَلُّلِهِم.
وقولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ ) )فِيْهِ أمرانِ، أحدُهما: جوازُ استعمالِ لفظةِ (( لَوْ ) )فِي بَعْضِ المواضعِ، وإن كَانَ قَدْ وَرَدَ فِيْهَا مَا يقتضِي خلافَ ذَلِكَ. وَهُوَ قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فإنَّ (( لَوْ ) )تفتحُ عملَ الشيطانِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الجمعِ بينَهما: إن كراهتَها فِي استعمالِها فِي التلهُّفِ عَلَى أمورِ الدنيا، إِمَّا طلبًا كَمَا يقالُ: لَوْ فَعَلْتُ كذا حصلَ لي كذا، وَإِمَّا هَرَبًا كقولِه: لَوْ كَانَ كذا لَما وقعَ لي كذا وكذا، لما فِي ذَلِكَ من صورةِ عدمِ التوكُّلِ فِي نسبةِ الأفعالِ إِلَى القضاءِ والقدرِ، وَأَمَّا إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي تَمَنِّي القُرُبَاتِ - كَمَا جَاءَ فِي هَذَا الحديثِ - فَلاَ كراهةَ هَذَا أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ.
الثَّانِي: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أن التمتُّعَ أفضلُ، ووجهُ الدليلِ: أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تمنَّى مَا يكونُ بِهِ مُتَمَتِّعًا لَوْ وقعَ، وإنَّمَا يَتَمَنَّى الأفضلَ مِمَّا حصلَ، ويُجَابُ عَنْهُ بأن الشيءَ قَدْ يكونُ أفضلَ بالنظرِ إِلَى ذاتِه، بالنسبةِ إِلَى شيءٍ آخرَ، وبالنظرِ إِلَى ذاتِ ذَلِكَ الشيءِ الآخرِ. ثُمَّ يَقْتَرِنُ بالمَفْضُولِ فِي صورةٍ خاصَّةٍ مَا يقتضِي ترجيحَه، وَلاَ يدلُّ ذَلِكَ عَلَى أفضليَّتِه من حَيْثُ هُوَ هُوَ. وههنا كَذَلِكَ؛ فإنَّ هَذَا التلهُّفَ اقترنَ بِهِ قصدُ موافقةِ الصحابةِ فِي فَسْخِ الحجِّ إِلَى العمرةِ، لمَّا شقَّ عليهم ذَلِكَ، وَهَذَا أمرٌ زائدٌ عَلَى مجرَّدِ التمتُّعِ، وَقَدْ يكونُ التمتُّعُ مَعَ هَذِهِ الزيادةِ أفضلَ، وَلاَ يلزمُ من ذَلِكَ: أن يكونَ التمتُّعُ بمجرَّدِه أفضلَ.
وقولُه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ولولا أن معي الهديَ لَأَحْلَلْتُ ) ). مُعَلَّلٌ بقولِه تَعَالَى: (وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) [البقرة: 196] ، وفَسْخُ الحجِّ إِلَى العمرةِ يقتضِي التحلُّلَ بالحلقِ عندَ الفراغِ مِن العمرةِ. وَلَوْ تحلَّلَ بالحلقِ عندَ الفراغِ مِن العمرةِ لحصلَ الحلقُ قبلَ بلوغِ الهديِ مَحِلَّهُ.
وَقَدْ يُؤْخَذُ مِن هَذَا - واللهُ أعلمُ - التَّمَسُّكُ بالقياسِ، فَإِنَّهُ يقتضِي تسويةَ التقصيرِ بالحلقِ فِي منعِه قبلَ