الطريقُ الثَّانِي: أنْ يُجعلَ قولُهُ: (( اقرأْ مَا تَيسَّرَ معكَ ) )مُطلقًا يقيَّدُ، أَوْ عامًّا يخصَّصُ بقولهِ: (( لاَ صلاةَ إلاَّ بفاتحةِ الكتَابِ ) )، وَهَذَا يَرِدُ عَلَيْهِ أنْ يقالَ: لاَ نُسلِّمُ أنهُ مطلقٌ مِن كلِّ وجهٍ، بلْ هُوَ مقيَّدٌ بقيدِ التَّيسيرِ الَّذِي يقتضِي التخييرَ فِي قراءةِ كلِّ فردٍ من أفرادِ المُتيسِّرَاتِ، وَهَذَا القيدُ المخصوصُ يقابلُ التعيينَ، وَإِنَّمَا نظيرُ المطلقِ الَّذِي لاَ ينافِي التَّعيينَ، أنْ يقولَ: اقرأْ قرآنًا، ثُمَّ يقولُ: اقرأْ فاتحةَ الكتابِ، فإنَّهُ يُحملُ المطلقُ عَلَى المقيَّدِ حينئذٍ، والمثالُ الَّذِي يُوضِّحُ ذَلِكَ: أنَّهُ لَوْ قَالَ لغُلامِه: اشترِ لي لحمًا، وَلاَ تشترِ إلاَّ لحمَ الضَّأنِ، لم يتعارضْ، وَلَوْ قَالَ: اشترِ لي أَيَّ لحمٍ شئتَ، وَلاَ تشترِ إلاَّ لحمَ الضَّأنِ، فِي وقتٍ واحدٍ لتعارضَ، إلاَّ أنْ يكونَ أرادَ بِهَذِهِ العبارةِ مَا يُرادُ بصيغةِ الاستثناءِ.
وَأَمَّا دعوَى التَّخصيصِ فأبعدُ؛ لأنَّ سياقَ الكلامِ يقتضِي تَيسيرَ الأمرِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُقرِّبُ هَذَا إِذَا جعلتَ (( مَا ) )بمعنَى الَّذِي، وأُريدَ بِهَا شيءٌ معيَّنٌ، وَهُوَ الفاتحةُ، لكثرةِ حفظِ المسلمينَ لَهَا، فهيَ المتيسَّرةُ.
الطريقُ الثالثُ: أنْ يُحملَ قولهُ: (( مَا تيسَّرَ ) )عَلَى مَا زادَ عَلَى فاتحةِ الكتابِ، ويدلُّ عَلَى ذَلِكَ بوجهينِ: أحدُهما: الجمعُ بينَهُ وبينَ دلائِل إيجابِ الفاتحةِ. والثانِي: مَا وردَ فِي بعضِ روايةِ أبي داوُدَ: (( ثُمَّ اقرأْ بأمِّ القرآنِ، وَمَا شاءَ اللهُ أنْ تقرَأَ ) )، وَهَذِهِ الرِّوايةُ - إِذَا صَحَّتْ - تزيلُ الإِشكالَ بالكلِّيَّةِ، لما قرَّرناهُ مِن أنَّهُ يُؤْخَذُ بالزايدِ إِذَا جُمِعَتْ طرقُ الحديثِ، ويلزمُ من هَذِهِ الطريقةِ إخراجُ صيغةِ الأمرِ عَن ظاهرِها عندَ مَن لاَ يَرى وجوبَ زائدٍ عنِ الفاتحةِ، وهمُ الأكثرونَ.
الوجهُ السَّادسُ: قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ثُمَّ اركعْ حَتَّى تطمئنَّ راكعًا ) )، يدلُّ عَلَى وجوب الرُّكوعِ، واستدلُّوا بِهِ عَلَى وجوبِ الطُّمأنينةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ دالٌّ عليهَا، وَلاَ يُتَخَيَّلُ ههنَا مَا تكلَّمَ النَّاسُ فِيْهِ، مِن أنَّ الغايةَ هل تدخلُ فِي المُغَييِّ أمْ لاَ؟ أَوْ مَا قِيلَ منْ الفرقِ بَيْنَ أنْ تكونَ مِن جنسِ المغيِّ أَوْ لاَ، فإنَّ الغايةَ ههنَا - وهي الطُّمأنينةُ - وصفٌ للرُّكوعِ، لتقييدهِ بقولهِ: (( راكعًا ) )، ووصفُ الشَّيءِ معهُ حَتَّى لَوْ فرضْنَا أنَّهُ ركعَ ولمْ يطمئنَّ، بلْ رفعَ عقيبَ مُسمَّى الرُّكوعِ، لم يصدُقْ عَلَيْهِ أنَّهُ جَعَلَ مطْلَقَ الرُّكوعِ مُغَيًّا بالطمأنينَةِ.
وجاءَ بعضُ المتأخِّرينَ فأغربَ جدًّا، وَقَالَ: مَا تقريرُه إنَّ الحديثَ يدلُّ عَلَى عدمِ وجوبِ الطمأنينةِ من حَيْثُ إنَّ الأعرابيَّ صلَّى غيرَ مطمئنٍّ ثلاثَ مرَّاتٍ، والعبادةُ بدونِ شرطِها فاسدةٌ حرامٌ، فَلَوْ كانت الطمأنينةُ واجبةً لكانَ فِعْلُ الأعرابيِّ فاسدًا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لمْ يقرَّهُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي حالِِ فعلهِ، وَإِذَا تقرَّرَ بِهَذَا التقريرِ عدمُ الوجُوبِ: حُملَ الأمرُ فِي الطمأنينةِ عَلَى النَّدبِ، ويُحْمَلُ قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فإنَّكَ لَمْ تصلِّ ) )عَلَى تقديرِ: لم تصلِّ صلاةً كاملةً.
ويمكنُ أنْ يقالَ: إنَّ فعلَ الأعرابيِّ بمجرَّدهِ لاَ يوصفُ بالحرمةِ عَلَيْهِ، لأنَّ شَرْطَهُ عِلْمُه بالحكمِ، فَلاَ يكونُ التَّقريرُ تقريرًا عَلَى مُحرَّمٍ، إلاَّ أنهُ لاَ يكفِي ذَلِكَ فِي الجوابِ، فإنَّّه فعلٌ فاسدٌ، والتقريرُ يدلُّ عَلَى عدمِ فسادهِ، وَإلاَّ لَمَا كَانَ التقريرُ فِي موضعٍ مَا يدلُّ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَقَدْ يقالُ: إنَّ التقريرَ لَيْسَ بدليلٍ عَلَى الجوازِ مُطلقًا، بلْ لابدَّ من انتفاءِ الموانعِ، وزيادةِ قبولِ المتعلِّمِ لما يُلقَى إِلَيْهِ بعدَ تكرارِ فعلِه، واستجماعِ نفسِه، وتوجُّهِ سؤالِه، [وعدم] مصلحةٍ مانعةٍ مِن وجوبِ المبادرةِِ إِلَى التعليمِ، لاسيَّمَا مَعَ عدمِ خوفِ