فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 381

يتَعَلَّقُ بِالقُلُوبِ فِعْلًا للقُلوبِ أيضًا، وَرَأَيتُ بعَضَ المُتأخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الخِلافِ خَصَّصَ الأَعمَالَ بِمَا لاَ يَكُونُ قَولًا، وأخْرجَ الأَقْوالَ مِن ذَلِكَ، وَفِي هَذَا عِندِي بُعْدٌ، وَيْنبَغِي أنْ يكُونَ لَفظُ (( العَمَلِ ) )يَعُمُّ جَميعَ أفعَالِ الجَوارِحِ، نَعَمْ لوْ كَانَ خَصَّصَ بِذَلكَ لَفْظَ (( الفِعْلِ ) )لكَانَ أقرَبَ؛ فَإِنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُمَا مُتقَابِلَيْنِ، فَقَالُوا: الأفْعَالُ، والأقْوالُ، وَلا ترَدُّدَ عِندِي فِي أنَّ الحَدِيثَ يتنَاوَلُ الأَقوالَ أَيْضًا، واللهُ أعْلَمُ.

الخَامِسُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الأَعْمَالُ بِالنِّياتِ ) )، لَابُدَّ فِيهِ مِن حَذْفِ مُضَافٍ، فاخْتَلفَ الفُقَهاءُ فِي تَقْدِيرِهِ، فالَّذِينَ اشْتَرَطُوا النِّيَّةَ قَدَّرُوا: (( صِحَّةُ الأَعْمَالِ بالنِّيَّاتِ ) )أَوْ مَا يُقَارِبُهُ، والَّذِينِ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا قَدَّرُوهُ: (( كَمَالُ الأَعمَالِ بالنِّيَّاتِ ) )أَوْ مَا يُقارِبُه، وَقَد رُجِّحَ الأَوَّلُ بِأَنَّ الصِّحَّةَ أكثَرُ لُزُومًا للحَقِيقَةِ مِن الكَمَالِ، فَالحَمْلُ عَليْهَا أَوْلَى؛ لأَنَّ مَا كَانَ أَلْزَمَ للشَّيءِ كَانَ أقربَ إِلَى خُطُورِهِ بالبَالِ عندَ إِطلاقِ اللَّفْظ ِ، فكانَ الحَمْلُ عليهِ أَوْلَىِ، وكذَلِكَ قد يُقَدِّرُونَهُ: (( إِنَّمَا اعْتِبارُ الأَعمَالِ بالنِّياتِ ) )، وقد قَرَّبَ ذلكَ بعضُهمْ بنظَائِرَ مِن المُثُلِ، كَقَولِهِمْ: إِنَّمَا المُلْكُ بالرِّجالِ، أيْ قِوَامُهُ ووُجُودُهُ، وَإِنَّمَا الرِّجَالُ بالمَالِ، وَإِنَّمَا المَالُ بالرَّعِيَّةِ، وَإِنَّمَا الرَّعِيَّةُ بالعَدْلِ، كُلُّ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ أنَّ قِوامَ هَذِهِ الأشْيَاءِ بِهَذهِ الأُمُورِ.

السَّادِسُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) )، يقتَضِى أَنَّ مَنْ نَوى شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ مَا لاَ يَنْحَصِرُ مِن المَسَائلِ، ومِن هَذَا عَظَّمُوا هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ بَعْضُهمْ: يَدْخُلُ فِِي حَدِيثِ (( الأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ ) )ثُلُثَا العِلْمِ، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خِلاَفِيَّةٍ حَصَلَتْ فِيهَا نِيَّةٌ، فَلَكَ أنْ تَسْتَدِلَّ بِهَذَا علَى حُصُولِ المَنْوِيِّ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ لَمْ تَحْصُلْ فِيهَا نِيَّةٌ، فَلَكَ أَنْ تَستَدِلَّ بِهَذَا عَلَى عَدَمِ حُصُولِ مَا وَقَعَ فِي النِّزَاعِ، [وسَيَأتِى مَا يُقَيَّدُ بِهِ هَذَا الإِطْلَاقُ] ، فَإِنْ جَاءَ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ يَقْتَضِى أنَّ المَنْوِيَّ لَمْ يَحْصُلْ، أَوْ أَنَّ غَيْرَ المَنْوِيِّ يَحْصُلُ، وَكَانَ رَاجِحًا، عُمِلَ بِهِ وخَصَّصَ هَذَا العُمُومَ.

السَّابِعُ: قَولُهُ: (( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) )، اسمُ (( الهِجْرةِ ) )يَقعُ عَلَى أُمُورٍ، الهِجْرَةُ الأُولَى: إِلَى الحَبَشَةِ، عِنْدَمَا آذَى الكُفَّارُ الصَّحَابَةَ. الهِجرةُ الثَّانِيَةُ: مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ. الهِجرةُ الثَّالِثَةُ: هِجْرَةُ القبَائِلِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَعَلُّمِ الشَّرَائِعِ، ثُمَّ يرجعِونَ إلى المَوَاطِنِ، ويُعَلِّمُونَ قَوْمَهُمْ. الهِجرةُ الرابِعَةُ: هِجْرَةُ من أسلَم مِن أَهلِ مكَّةَ لِيَّأتِيَ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَرجِعُ إلى مَكَّةَ. الهجرةُ الخَامسَةُ: هِجْرةُ ما نَهى اللهُ عَنْهُ. ومعْنى الحَدِيثِ وحُكْمُه يتناولُ الجَميعَ، غيرَ أنَّ السَّببَ يقتَضِي أنَّ الْمُرَادَ بالحَديِثَ الهجرَةُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ؛ لأنَّهُم نقَلُوا أنَّ رَجُلًا هاجَرَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، لا يُريدُ بِذَلِكَ فَضِيلةَ الهْجَرةِ، وَإِنَّمَا هَاجَرَ ليتَزَوَّجَ امْرَأةً تُسمَّى أُمَّ قَيْسٍ، فَسُمِّى مُهاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ، وَلِهَذَا خُصَّ فِي الحَدِيثِ ذِكْرُ المَرْأةِ، دُونَ سَائِرِ مَا تُنْوىَ بِهِ الهِجْرَةُ مِن أفْرَادِ الأَغْراضِ الدُّنْيَويَّةِ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِِالدُّنيا.

الثَّامِنُ: المُتَقَرِّرُ عِنْدَ أَهْلِ العَربِيَّةِ أَنَّ الشَّرْطَ وَالجَزَاءَ وَالمُبْتَدَأَ أَو الخَبَرَ، لَابُدَّ وَأَنْ يَتَغَايَرَا، وَهَهُنَا وَقَعَ الاتِّحَادُ فِي قَولِهِ: (( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) )، وَجَوَابُهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ نِيَّةً وَقَصْدًا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ حُكْمًا وَشَرْعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت