هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يكون النَّص نفسه يحتمل أن يُفهَمَ على أكثر من وجه، وتكون كلُّها مقبولةً رغم اختلافها، فهذا مجال واسع في فَهم النُّصوص وتفسيرها تختلف فيه آراء العلماء للمُتشرِّعين في ترجيح الفَهم الذي يَرى العالم الفقيهُ أنّه هو الصحيح، أو الأصح أو الأقرب إلى غرض الشارع، أو الأكثر انطباقًا على القواعد المقرّرة المستمَدّة من مجموع النصوص ذات العَلاقة في كلّ موضوع. وكل ذلك أيضًا هو فقه يقوم حول النصوص التشريعيّة، فَهمًا لها وقِياسًا عليها، وتفريعًا على قواعدها، وتخصيصًا لعموماتها بالقرائن، أو تعميمًا للخاصِّ منها، ونحو ذلك ممّا لا يُمكن أن تتحِدَ فيه فُهوم العلماء، فكيف يمكن توحيد الفقه إذًا؟ إن ذلك لا يُمكن إلا إذا أمكن الحجر على أفكار العلماء المتشرِّعين، حتى لا يستطيع أحد أن يفهَم من النّص التشريعي غير ما يَفهمه سواه، ولا أحد يَتصور إمكان هذا الحَجْر!! فلابد من أن تختلف آراء الفُقهاء حول النصوص.
وهذا واقع في ظِلّ نصوص التّقنين الوضعيّ، كما في نُصوص الشريعة الإسلاميّة من الكتاب والسنة النبويّة، والفقه القانوني زاخر بالآراء والنظريات والمذاهب المختلِفة، بل والمتعاكِسة في كثير من مسائله وموضوعاتِه.
تعدُّد المذاهب واختلاف الاجتهادات:
ومن ثمّ تتكوَّن المذاهب الفقهيّة نتيجة لاختلاف الآراء الاجتهاديّة في تنزيل الوقائع على النصوص والقواعد: فتختلف آراء الفقهاء في العقود صحّةً وبُطلانًا، وفي الحقوق والالتزامات الماليّة، وفي التكاليف العملية، وفي التّحريم والإباحة إثباتًا ونَفيًا، وكلُّهم يستنِدون إلى نصوص تشريعيّة وقواعد واحدة، وكلُّ ذلك من الفقه الذي يقوم في كلِّ نِظام تشريعيٍّ حول نُصوصه وتفسيرها، واستنتاج الأحكام منها.