ولنأخذ للإيضاح على سبيل المِثال من العِبادات نصَّ القرآن العظيم في الوُضوء لأجل أداء الصلاة: فقد أمر بغَسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغَسل القدَمين، فثارت في الفكر الفقهي في ضوء هذا النصِّ تساؤلات كَثيرة، منها:
هل من اللازم لصحّة الوضوء أن يبدأ المكلَّف بالعضو الذي ذكره القرآن أولًا ويُثَنِّي بما ذكره ثانيًا، وهكذا..وهي مسألة التّرتيب في الوضوء بيِّن الأعضاء؟
فمن الفُقهاء من فهِموا عدم لزوم الترتيب، فلو بدأ المتوضِّئ بغُسل الرِّجلين، وانتهى بمسح الرّأس مثلًا صحّ وضوؤُه؛ لأن العطفَ بالواو لا يدلُّ لغةً على الترتيب في الحدوث. فإذا قيل: جاء زيد وعمرو وصالح. لا يُفيد هذا أيُّهم جاء قبل الآخر، ولا أنهم جاءوا منفرِدين أو مجتمِعين، فإذا أريدَ إفادة التّرتيب وَجَب العَطف بالفاءِ، فيقال عندئذٍ: جاء زيدٌ فعمرو.. وإلى هذا ذهب فَهم الإمام أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى.
ومنهم من فَهِمَ من نسق البيان لزوم الترتيب، لصحّة الوضوء؛ لأن ذِكرَ مسح الرأس فاصِلًا بين أعضاء ذُكِرَت قبله وبعده كلُّها مغسولة، يدلُّ على قصد الترتيب، إلى هذا ذهب فهم الإمام الشافعيّ ـ رحمه الله تعالى.
ولنأخذ مثالًا آخر من المُعاملات قول القرآ، الكريم: (يا أيُّها الذِين آَمَنوا إذَا تَدَايْنَتُم بِدَيْن إلى أَجْلِ مُسمًّى فاكتُبوه...وإنْ كُنتم على سَفَرٍ ولم تَجِدوا كاتبًا فرِهانٌ مَقبوضةٌ..) فهل وَصْف الرّهن بأنه مقبوض يُفيد وجوب قبض المَرهون ليصحَّ عقد الرهن، فإن لم يقبض في مجلس العقد كان باطلًا؛ لأن الرّهن بلا قَبْضٍ يَفقد غايتَه التّوثيقيّة؟ إلى هذا ذهب فَهم أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى.
أو أن هذا الوصف لا يُفيد اشتراط القبض لصحة العقد، فينعقِد الرهن دون قبض المرهون، وللمرتهِن مُطالبة الرّاهِن بتسليمه، كما يُطالب المشتري البائِعَ بتسليم المَبيع، والمستأجِر بتسليم المأجور.