فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 564

إلى هذا ذهب فَهم الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى.

فمن الذي يَستطيع الحجر على فكرة فَقيه أن يفهَم من النّص التشريعي فَهمًا يراه هو الصّواب خلاف ما يفهَمه غيره؟ هذا مُستحيل.

ثانيًا: اختلاف الفقهاء سَعةٌ ورحمة:

هل هذا الحجرُـ لو أمْكنَ، ووحدة فهم الفقهاء في تفاصيل الأحكام الاحتمالية وتفرعاتها ـ هو الأفضل والأصلح في ظِلّ النظم التشريعيّة ونصوصها؟ بمَعنى أن اتِّفاق آراء الفُقهاء المُتشرِّعين في كلّ صغيرة وكبيرة من المسائل الأساسية والفرعيّة هو خير للأمّة؟

إنّ الخَير والأفضل هو في خلاف ذلك قَطعًا، أي: هو في اختلاف فُهومهم واجتهاداتهم؛ لأنّ هذا الاختلاف في الفَهم والاستنتاج من النُّصوص يُوجِد في الأمّة ثروة من الفِكر التشريعيّ هي محلّ اعتزاز وامتياز للأمة، ويُوجَد لديها من مختلف المبادئ والقواعد والأنظار الفقهية والنظريّات الحقوقيّة أُسسًا صالحة لحلِّ المُشكلات العارضة باختلاف الظروف، ويفتح مجالات واسعة لاختيار الحلول الأفضل كلما دعت الحاجة، وأظهر التّطبيق بعض المُشكلات، أو كشف عن بعض الفَجوات التي تحتاج إلى ملء بأحكام مناسبة مستمَدّة من رُوح النُّصوص وغرض الشارع.

ففي نظم الأحوال الشخصيّة (أحكام الأسرة) الحديثة في البِلاد العربيّة وأحكامها، التي يجِب أن تُستمدَّ من فقه الشريعة لصلتِها بالعقيدة الإسلاميّة في الحلال والحرام، أُقيمت قواعد وأحكام حُلت بها مُشكِلات، وتحقّق بها إصلاح كبير في حياة الأسرة الإسلامية، ولولا اختلاف المذاهب الفقهيّة التي استُمدت منها تلك الأحكام لما كان إليها من سبيل (مثل مشكِلة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، ومشكِلة تعليق الطّلاق استُعمل استعمال اليمين للحثِّ أو للمَنع، ومشكِلة ابن المحروم في الميراث التي عُولَجت بطَريق الوصيّة الواجِبة المقرّرة في بعض المَذاهب الفقهيّة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت