وفي مجال العِبادات وأحكامِها التفصيليّة يُعطي اختلافُ المذاهب الاجتهاديّة كلّ مُكلَّف فُسحةً كبيرة تيسِّر له طاعةَ ربِّه، فتدفع عنه مشقّات يعرفها الممارِسون من أهل العلم، مثل الاختلاف في بعض نواقِض الوضوء كخروج الدّمِ ولمْس المرأةِ، وكالمَسح على الجَوربَيْن في الوضوء (ولا سيِّما في الشِّتاء) ومثل ذلك في المُعاملات كثُبوت خِيار العَيب للمُشتري إذا أَخفى البائع عيبًا في المَبيع عمدًا وتَدليسًا، واشترط البَراءةَ من المسؤوليّة عن العَيب؛ ممّا يجعل العاقِدَ مسؤولًا عن الغِشّ المتعمَّد رغم كلِّ اشتراط يُعفيه (وهو النظر السائد في القانون الوضعيّ أيضًا) .
وهذا مُجمَل ومعنى ما ورد في الأثر:"اختلاف أمَّتي رحمة" (2) ، وهو نصُّ حديث نبوي ضعيف الثبوت، لكنّه صحيح المعنى، والمُراد به الاختلاف في الفروع، أي: في مسائل الفقه العمليّة، أما الاختلاف في أصول الدِّين والعقائد فهو مُصيبة تُمزِّق الأمّة، كما أوضح الإمام المناوي وغيره (يُنظر فيض القدير شرح الجامع الصغير تحت الحديث 288) فمن الخير والنِّعمة هذا الاختلافُ الفقهي الذي أورثنا تلك الثروةَ الفقهيّة الهائلةَ، مُتعدِّدة الآراء، وجَمّة العَطاء.
ثالثًا: بين توحيد الاجتهادات وتوحيد الحكم القضائيّ: