فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 564

وهنا يجب الانتباه إلى أمر عظيم الأهمية، وهو التّمييز بين توحيد الفقه وتوحيد الحكم القضائي، فإذا كان توحيد الفِقه مُستحيلًا، وليس من مصلحة الأمّة، فإن توحيد الحكم القضائي فيها ضروريٌّ، ونَعني بتوحيد الحكم القضائي وحدةَ التّقنين من الفقه، وذلك بأن يُختار في كلِّ مسألةٍ من مسائل المُعاملات من بين الآراء الفقهيّة فيها ـ إذا كانت متعدِّدة ـ ما هو أصلح أو أعدلُ أو أوجه دليلًا أو أيسر تَطبيقًا، فتقننه السُّلطة المُختصّة حتى يكون هو وحده النافذَ المعمول به في القَضاء. فهذا التدبير النظامي في أحكام المُعاملات بغية توحيد الحكم القضائي فيها هو اجب في طريق إقامة النِّظام وتحقيق العدل، ولا يَتنافى مع تعدُّد الآراء والمَذاهب الفقهيّة مهما كثُرت واختلفت.

وذلك كما حصَل في وضع مجلة الأحكام العدليّة في أواخر عهد الدولة العثمانيّة، حيث اختِير أحسنُ الآراء الفقهيّة المختلفة من المذهب الحنفي، وصِيغت في مواد بأرقام متسلسلة، وأصدرت سنة 1293هـ فكانت أول قانون مدني مستمدٍ من الفقه الحنفي، وأصبح بها القضاة والمُتاقضُون جميعًا في الدولة أمام حكم إلزاميٍّ واحد في كل مسألة من المسائل والقضايا التي تناولتها المِجلة بالتّقنين، مهما كانت الآراء في مصادِرها الفقهيّة متعدِّدة ومختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت