فلا يجوز أن يُترك القاضِي لاجتهادِه بين الآراء الفقهيّة المختلفة لِيَختار هو منها ما يَقضي به، لأنّ هذا الإطلاقَ يتنافَى مع مَبدأ علنيّة الشّرائع الذي يوجِب أن يكونَ المكلَّف في كل مجتمَع نظامي (دولة) على علم مسبَق بمَصير أعمالِه وتصرُّفاتِه في حكم النظام الذي سيقضي به القاضِي له أو عليه، وإلا كان القِضاء فوضى، والمكلّف لا يعرِف كيف يتصرّف مُطيعًا للنظام؛ لأنّه لا يستطيع أن يتنبّأ مسبقًا بموقف القَضاء من تصرُّفاته ما دام القاضِي سيقضي باجتهاده هو واختياره، وليس بحكم مُعلَن معروف، فإذا كان اختلاف الفقهاء رحمة ونعمة وثروة ومزيّة، فإن عَدَم توحيد الحُكم القضائيّ مُصيبة وبَليّة!!
هذا، وإن اختيار بعض الآراء الفقهيّة في وقت ما لتقنينِه وتوحيد الحكم القضائي عليه لا يمنع تَغيير هذا الاختيار، واستبدال غيره به من الآراء الفقهيّة الأخرى كلما تبدلّت الظروف والحاجة، أو رُؤِيَ غيرُه أصلحَ منه.
وهكذا تتحقّق للأمة مصلحتان: توحيد الحكم القضائيّ وهو أمر ضروري، والاستفادة من جميع المذاهب الفقهيّة.
وهذا الأمر ـ أعني: تقنينَ الفِقه وتوحيد الحكم القضائي فيه من بين مختلف الآراء الفقهيةـ موضوعٌ عميق وذو مُلابَسات تعصبيّة، فبعض العلماء لا يقبلونه، ويُريدون إطلاق الاجتهاد للقاضي في أحكامه دون مُبالاة بمحاذيرِ هذا الإطلاق، ومنافاتِه لمبدأ علنيّة النظام وقواعده، ومجال القول في هذا الشأن واسع، فأكتفي بهذه الإشارة إليه.
وظنِّي أن السّائل الكريم عن (العراقيلِ) التي تحول دون توحيد الفِقه، إنَّما يقصد توحيد الحكم القضائي هذا الذي أشرنا إليه، لا توحيد الفقه الذي معناه منع اختلاف الفقهاء في الرأي الاجتهادي، ولكنّه أخطأ التّعبير السّديد عن مُراده.