وإذا صَدق ظنِّي هذا في مراد الأخ السائل فجوابي عندئذٍ أن العائِق الأساسيّ الذي يحول دون توحيد الحكم القضائي عن طريق تقنين موحَّد لأحكام المُعاملات يُختار فيه أحسنُ الآراء الفقهيّة من مختلف المذاهب، أقول: إن العائِق الذي يحول دون ذلك أمران:
الأول: هو التعصُّب المذهبيّ في بعض البلاد التي سادَ فيها أحد المذاهب وحُجِبَ عنها مزايا المذاهِب الأخرى، فصارت دراسة الفقه مذهبيّة لا مقارَنة.
الأمر الثاني: اتِّجاه فريق من المسؤولين والمُثَقّفين ذوي النفوذ في بلاد عربيّة أو إسلاميّة أخرى، ممّن عَمِلَ فيهم الغزو الفكري الأجنبِيُّ عَمَله، فجهِلوا واحتقروا قيمة تراثهم الفقهي المنقطِع النّظير، ويريدون تقنينًا أجنبيًّا، إذ يَرون أن كلَّ تقليد للغَرب، أو استمداد من حضارتِه الأجنبيّة في المَظهر أو في الجوهر الحضاري هو عنوان التقدميّة، وهذا نتيجة بعدهم عن الإسلام علمًا وعاطفة وصبغة حضاريّة، وهذا السّبب نسمِّيه: الاستغرابَ.
فأما السَّبب الأول (التعصُّب المذهبيّ) فهو بحمد الله في هذا العصر آخِذ في الاضمِحلال؛ إذ أصبح الانفتاحُ على المذاهب الفقهيّة جميعًا من سِمات الفقيه المعاِصر النِّيِّر، ومحَلًّا للتقدير.
والموسوعة الفقهيّة التي يقوم بها اليوم مشروعان اثنان أحدهما في الكويت، والآخر في مصر، ويعرض فيها فقه المذاهب مرتَّبًا بالترتيب الألفبائي المُعجمي بحسب أوائل الحروف في عناوين الموضوعات والمسائل، لتسهيل مراجعته لكل طالب هي من ثمار هذا الانفتاح الفقهي، فالموسوعة الفقهيّة تقوم بتعبيد الطريق إلى توحيد الحكم القضائي بتقنين موحّد للبلاد العربية، كما سبقت الإشارة إليه.