2 -وإذا اعتُبر هذا المبرِّر غيرَ كاف للإقناع، فإنّنا ننطلِق بالنّظر إلى ما هو أبعد، فنلاحِظ أنه بمقتضَى العقيدة الإسلامية يُعتبر القرآنُ كلام الله سبحانه، وأن تلاوته مُعتبرة بمقتضَى نصوصه نفسها من القربات المطلوبة. فمن الناحية الرُّوحيّة يَسيح المؤمِن سِياحة إلى الله تعالى بوساطة تلاوة كلامِه المقدّس.
والنصّ الأصلي لهذا الكلام الموحَى به إلى رسول الإسلام هو عربي، فمهما تكن الترجمة له من الدِّقّة بمكان، فإنها لا تخرج عن كونها من صنعة الإنسان وكلامه، وهذا لا يُمكن أبدًا أن يؤدِّيَ الغاية من تلك السّياحة الرُّوحيّة التي تتحقّق بالصّلاة.
3 -وبالنسبة لمن يفتِّشون عن سبب أو مبرّر أقوى نقول: إنه يجِب التمييز الدقيق بين الصلاة بمعنى الدعاء، والصلاة بمعناها الخاصّ في صورة عبادة الله. فأما الدعاء ـ وهو المعنى الأصلي العام للصلاة، غير الصورة الخاصة بعبادة الله، وهو ما يسمّى (مناجاة الله) ـ فإنه لا اعتراض أبدًا على حرية الإنسان في أن يوجه حاجاته وتوسُّلاته إلى ربِّه بأية لغة يختارها، وأي وضع يكون عليه؛ ذلك لأن هذه صلة شخصية خاصة بعلاقة فرديّة بين المخلوق والخالق.
أما الصلاة بمعناها الخاص ـ أي: العبادة المفروضة في صورتها الإسلامية المشروعة ـ فهي عمل عامٌّ ذو صفة جماعيّة، يجب النظر فيه إلى بقية الرِّفاق المُصاحِبين في صلاة الجماعة، فصلاة المسلِم هذه يجب مبدئيًا أن تؤدَّى بصورة مشترَكة مع الآخرين (جماعة) ؛ ذلك لأن أداء الصلاة فرديًّا صحيح، ولكن المطلوب المفضَّل أداؤها بقيادة إمام (جماعة) .
4 -لو كان الإسلام دينًا إقليميًّا أو قوميًّا أو مرتَبِطًا بعِرق بشري، لكان من المحتَّم فيه أن تستعمل في الصلاة لغة ذلك الإقليم أو العِرق أو القوم، أما في ديانة عالمية، فالأمر بالعكس تمامًا، حيث يتكلَّم المؤمنون بها مئات اللغات المحليّة، ولا يفهم أحدهم لغةً سواه من الأجناس البشريّة الأخرى.