ولو تأمَّل هؤلاء الإخوة في الأمر كما ينبغي لوجدوا أنهم خالَفوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحقيقة، وإن اتبعوه في الظّاهر، أقصد أنهم عُنوا بجِسم السنة، وأهملوا رُوحَها.
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ راعَى ظروف البيئة والزمن، فأوجب زكاة الفطر مما في أيدي الناس من الأطعمة، وكان ذلك أيسرَ على المُعطي، وأنفعَ للآخِذ.
فقد كانت النقود عزيزة عند العرب، وخصوصًا أهل البوادي، وكان إخراج الطعام ميسورًا لهم، والمساكينُ محتاجون إليه؛ لهذا فَرَضَ الصّدقة من الميسور لهم.
حتّى إنَّه رَخَّص في إخراج (الأَقِط) ـ وهو اللَّبَن المُجفَّف المنزوع زُبْدُه ـ لمن كان عنده وسهل عليه، مثل أصحاب الإبل والغنم والبقر من أهل البادية.
فإذا تغيَّر الحال، وأصبحت النقود متوافرة، والأطعمة غير متوافرة، أو أصبح الفقير غيرَ محتاج إليها في العيد، بل محتاجًا إلى أشياءَ أخرى لنفسه أو لعياله، كان إخراج القيمة نقدًا هو الأيسرَ على المُعطي، والأنفعَ للآخذ، وكان هذا عملًا بروح التوجيه النبوي، ومقصوده أ.هـ.
لقد آل تشدُّد هؤلاء المتشددين تشدُّدًا في غير محلِّه، حيث يطبق رأيهم، إلى أن تنعكس الآية بالنسبة إلى الفقراء، فيقعوا هم في الخسارة، وينالُهم الضَّرر من جرّاء هذا التّشدُّدِ !!
فقد سمعتُ، ثُمَّ رأيتُ بنفسي أن الرَّجل يأتي عندهم إلى السوق في آخر رمضان، فيشتري القمح والشعير والتمر بمقدار ما عليه من زكاة الفطر، ويأخذه إلى الفقراء القاعدين في زاوية من السوق فيعطيهم إياه، وقد يكونون محترفين، وما إن يذهب حتى يقوم هؤلاء إلى البائع نفسه فيبيعونه ما أخذوا بثمن أدنى ممّا باع به الرجل الذي اشتراه من عنده؛ لأن الفقير الذي أخذ الأرزاق ليس محتاجًا إليها، بل هو محتاج إلى النقود، فتعود النتيجة عليه بالخسارة، ولو دفع المزكِّي قيمتها مباشرة إليه لحصل على نقود أكثر.