على أنه إذا نظرنا إلى أعمق من الظاهر قد ندرك أن المصانع الآلية المتطورة بصورتها الحاضرة الضخمة اليوم ـ آلات وبناء ـ قد يكون في عدم إخضاعها للزكاة مصلحة لا تقل عن المصلحة الملحوظة في إخضاعها إن لم تزِد، فإن ما تفتَحه من أبواب العمل المُنتج للعمال والفقراء، فتحرِّك فيهم طاقات كبرى كانت عُرضة للتعطيل والشلل، وتَدِرُّ أرزاقًا لأولادهم وأُسَرِهم، وتُدير دولاب الاقتصاد العام في جميع أنواعه، إن هذا الأثر كلَّه تستحق به المَعامل هذا التشجيع على إنشائها بعدم إخضاعها لتكليف الزّكاة لو أن أصحابَها جَنَوْا من ورائها أرباحًا وثرْواتٍ ضخمةً، ولا سيما إذا عرَفنا أن تلك الثروات والأرباح خاضعة للزكاة (إلى جانب ما تفرضه النظم المالية اليوم من ضرائب لا يفلِت منها بناءٌ ولا آلةٌ ولا دَخْلٌ) ولو أدَّى أصحابُها زكاة مواردها لكان فيها خير عَميم.
فلا أرى من الجائز بتفقُّهٍ فردي ومرتجل أن يُفْتَى بإخضاع مباني المعامل وأثاثها، وآلاتها لتكليف الزكاة، ولنسِرْ على خُطى فقهائنا الأولين في الصورة الابتدائية الأولى، ففيها حكمة ورَويّة ومصلحة تنطبق على الصورة المتطورة الحديثة لهذه المعامل .
والله سبحانه أعلم (4) .
هامش
(3) مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، السنة السادسة، 1390هـ ـ 1970م عدد (63) .
(4) وانظر: ما يأتي من فتاوى الشيخ حول زكاة العمارات والآلات، وللشيخ بحث موسع بعنوان: جوانب الزكاة تحتاج إلى نظر فقهي جديد، نشر في مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجدة، المجلد الأول، العدد الثاني (1404هـ ـ 1984م) .