فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 564

أما شرعًا: فلأن هذا العقد دَاخَلَتْه جَهالة مؤثِّرة في نظر جميع المذاهب الفقهية؛ لأنها جميعًا تشترط لصحة العقد معلوميّة الأجر عند التعاقُد، وجهالته تُفسِد العقدَ.

وأوسع المذاهب الفقهيّة، وأكثرها تسامحًا في هذا الموضوع ـ فيما أعلم ـ هو المذهب الحنبليّ، حيث يُجيز بعض فقهائه، وخاصّة العلامة ابن القيم وشيخه ابن تيمية، أن يبيع الإنسان سلعة بثمن لا يُحدِّدانِه في العقد، بل يتّفقان على أن يكون الثمن بحسب ما يستقرّ عليه سعر السُّوق في يوم العقد. فبما أن سعر السوق يُعرف لدى أهلها في الوقت المعيَّن، كانت هذه الجهالة عند التعاقد مغتفَرةً، ما دامت ستزول بالرجوع إلى الأساس الذي اتفق الطرفان عليه، وهو سعر السوق (ينظر المدخل الفقهي العام ج 1 في نظرية العقود ـ بحث سلطان الإرادة العقدية في الشروط التعاقدية ـ مزايا المذهب الحنبلي) .

وأما قانونًا: فلأن القوانين المدنيّة متَّفقة على أن العاقدين إذا حدَّدا الأمور الجوهريّة الأساسيّة في العقد، واتفقا على إرجاء تحديد الأمور الفرعية إلى ما بعد، كان ذلك كافِيًا لانعقاد العقد صحيحًا، ثم إذا اختلفا في تحديد الأمور الفرعيّة المُرجأة حين بحثها مستقبلًا، فإن المحكمة تقوم بتحديدها بمعرفة خُبراء.

لكن هذا التسامُح القانوني في الجَهالة عند التعاقُد مقصور على الأمور الفرعيّة (مثل من يلتزم من الطرفين بدفع تكاليف كتابة العَقد، أو دفع تكاليف حراسة الدار المأجورة، أو أجرة السمسار، ونحو ذلك) . أما الأمور الجوهريّة الأساسيّة، فإن القوانين المدنيّة توجِب تحديدها في العقد تحت طائلة البُطلان.

وممّا لا ريب فيه أن العوض في عقود المعاوَضة، كالأجرة في الإجارة، والثمن من البيع، هو من النواحي الأساسية في العقد بالنظر القانوني نفسه؛ لأنه من محلِّ العقد، فتحديده فيه واجب، وجهالته مُفسدة للعقد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت