ولا ينبغي أن يُتوهَّم أنّ نصَّ المادة / 11 / من الاتفاقيّة، قد تضمَّن الاتفاق على التحكيم في فصل كل خِلاف ينشأ بين الطرفين بشأن هذه الاتفاقيّة، أو موضوعها، وأن هذا يمكن أن يُعتبر اتفاقًا على أساس صالح، لتحديد أجر الخدمات التي أُهمل تحديد أجرها في العقد، فهذا غير مُفيد؛ لأن الأساس الصالح للتحديد مستقبلًا ليس هو إرادة الغير، بل يجب أن يكون معيارًا لحساب ينطلق من حدٍّ ثابت في الواقع، كما لو باع أحد شيئًا بثمن لم يحدَّد في العقد، ولكنِ اتفق الطرفان على أن يكون هو كُلفةَ المَبيع على البائع، بحسب الفواتير التي ستأتي مضافًا إليها ربحٌ بمقدار مقطوع، أو بنسبة مئويّة من تلك الكلفة. فقد نصّ الفقهاء على جواز بيع الشيء برقمه (أي: بالسعر المرقوم عليه كتابة، وهو غير مكشوف وقت العقد) ، ولكنهم في هذه أوجبوا للمشتري خِيارًا في القَبول أو الفَسخ إذا لم يوافِقه المبلغ المرقوم على الشيء حين انكشافه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى يُلحظ أن المُحكَّم هو بمثابة قاضٍ خاصٍّ منصوب بين الطرفين بإرادَتيْهما، والقاضي ـ كما سبق بيانه ـ ليس من شأنه إنشاء العقود، والعوض في المعاوَضات جزء من محلِّ العقد الذي هو العوضان، وتعيين المحل هو من قواعد إنشاء العقد، ويعود للطرفين لا للقاضي ولا للمحكَّم، وإلا لصحَّ أن ينعقد العقد بقول شخص لآخر: بعتك شيئًا (هكذا بلا تعيين) ، وفلان محكَّمٌ بيننا في تعيين المَبيع وتقديره ثمنه، فوافَقه الآخر، ولكن مثل هذا الكلام لا يقول بانعقاد العقد به مذهب ولا فقيه.
وقد آثرتُ أن أُعطيَ هذه الناحية حقَّها، من تفصيل القول فيها، ووضع النقاط على الحروف؛ لتُلاحظ في أمثال هذه الاتفاقيّة، وإن بُطلان العقود لعدم الانتباه إلى قواعد إنشائها، مع أنها مشروعة موضوعًا، وهو أمر خطير النتائج في المعامَلات الضخمة.
14 من ذي القعدة / 1400هـ.
24/9/1980م.