ولكن في الحاضر منذ أنْ قام في معظم البلاد، بسبب قلة العقارات وزيادة عدد السكان، نُظُمٌ للإيجارات، وقوانينُ تقيِّدها وتمنع المالك من أن يخرج المستأجر في نهاية مدة الإيجار إلا بموافقته أو في حالات معينة، أصبح للمستأجرين (في ظل الأنظمة القائمة التي تقيِّد حق المالك في زيادة الأجرة وفي الإخلاء) حقّ البقاء في العقار المملوك، كما في عقار الوقف الذي أفتَى فيه فقهاؤنا الأولون.
وبذلك لم يبق طريق لمَن يريد أن يحلَّ في عقار مأجور محل مستأجِره إلا أن يتفاهَم مع المستأجر ليرضيَه بالتخلِّي عنه مُقابِلَ عِوَض يتفقان عليه يسمُّونه خلُوًّا، واختلفت فتاوى المعاصرين حوله: فحرّمه بعضهم بحجة أنه لا مُقابل له، فهو من باب أكل الأموال بالباطل، وأباحَه آخرون.
وإنّي من الذين يُفتون بجوازِه وحلِّه مادام القانون السائِد يمنع المؤجِّر من الزيادة أو الإخلاء في نِهاية مدة الإيجار، وما دام المستأجر في ظل القانون يتمتع بحقِّ البقاء ما لم يرغب في التخلِّي برضاه، ووجهة نظري أن حقّ البقاء هَذا للمستأجِر هو حق مالي مقوَّم بقيمة ذات أهمية كبيرة عُرفًا، فلا يصح قولُ المانعينَ إن مبلغ الخُلو يأخذه المستأجِر بلا مُقابل (فهو من باب أكل أموال الناس بالباطِل) بل هو مُقابل حقٍّ مالي ذي قيمة كبيرةٍ هو حقُّه في البقاء، فقد أصبح حقُّه هذا مثل حق مستأجر عقار الوقف الذي أفتَى به فقهاؤنا بمنع المتولي على الوقف من إخلائه وعدم تجديد إيجاره ومن زيادة الأجر عليه ما دام مُستعدًّا لدفع أجر المثل، فقد تساوَى مستأجر عقار الوقف مع مستأجر المملوك في ظلِّ الأنظمة القائمة اليوم التي تقيِّد حقَّ المالك في إخلاء المستأجِر إلا في حالات استثنائية معينة، فيجوز للمستأجر أن يأخذ خُلُوًّا ممَّن يرغب الحلول محلَّه بالتراضي، كما أفتى فقهاؤنا في العقار الموقوف سواء بسواء.
هذا ما أراه في المسألة والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.