فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 564

بيَّنا ـ فيما سبق ـ أن من الفقهاء من يرى أن الجَهالة في هذه الصيغة لتحديد العوض مغتفَرة غير مُفسِدة للاتفاق. وعليه فإذا باع المأمور الشيء بأزيد من السِّعر الذي حدَّده له الآمر، استحق الزيادة، وتكون هي أجرَه، وإذا باعه بقدر ما حدّده له دون زيادة فلا شيء له. فإذا جرينا على هذا الرأي الذي يراه بعض الفقهاء في هذه الصيغة، نجد أن النتيجة التي بيناها على الرأي المشهور بأن هذه الجهالة مُفسدة وغير مغتفَرة، تلك النتيجة لا تتغيَّر في وقائع هذه القضية محلِّ البحث؛ ذلك لأن استحقاق المأمور بالبيع للزيادة عن السعر الذي حدّده له الآمر، إنما يكون لو بيعت السلعة فعلًا بمسعاه بأزيد مما حدَّده الآمِر، لكن في حادثتنا المسؤول عنها لم يقع البيع أصلًا بسبب رجوع المالك وعدوله عن أصل بيع الأسهم دون أن يأتيَ الوسيط الأول أو الثاني بمشترٍ أصلًا.

وقد بيَّنا أن من حق المالك هذا العدول قبل البيع على جميع الاحتمالات في تكييف هذا الاتفاق، سواءٌ أَعتُبر وكالة (رغم استبعاد هذا التكييف للأسباب التي بيّنتها قَبلًا) ، أم اعتُبِر جَعالة، أم اعتُبر سمسرة، وكان الوسيط مجرّد سمسار.

وعندئذٍ فإن هذا الاتفاق بين الطرفين ـ على افتراض صحّته مع هذه الجهالة في تحديد العوض ـ قد أصبح مُلغًى بعدول المالك عن البيع، وإبلاغه ذلك للوسيط، فلم يحصل بيع.

فاستحقاق الزيادة عن السعر المحدّد هو أمر معلّق على وقوع البيْع بزيادة على السعر المذكور، والأمر المعلق على شرط لا يتحقق إلا بوقوع الشرط المعلَّق عليه، والمشروط عُدِم قبل وقوع الشرط. (ر: المجلة م/ 82/ وشروحها والأمثلة) . وبما أن الشرط المعلَّق عليه في مسألتنا قد استحال وقوعه بعدول المالك وصيرورة الاتفاق ملغى، لم يبقَ استحقاق الزيادة المشروطة مُمكنًا أصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت