فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 564

إنني أرى أن المسألة التي نصَّ عليها الفقهاء في كتاب الكفالة، وذكرها ابن عابدين في هذا المقام وردّ دلالتها على الْجواز، وهي ما لو قال رجل لآخر: اسلُك هذا الطريق فإنه آمن، وإن أصابك فيه شيءٌ فأنَا ضامن. . أرَى أنَّ فِيها الدِّلالة الكافية على جواز ضَمان خَطر الطريق، وإن كان الفقهاء عللوها بالتغرير. ونقل ابن عابدين أن التغرير إنما يوجب الضَّمان إذا وقع في ضمن عقود المعاوَضة. وإني أرى أن قول من قال بأن التغرير لا يوجب الضَّمان إلا إذا وقع ضمن عقود المعاوضة، وهو غير سديد؛ لأن نصوص الفقهاء صريحة في التطبيق بخلافه، فقد أوجبوا ضمان المُعِير إذا أعار أرضًا للبناء وحدّد للمستعير مدّةً، ثم رجع في عاريّته قبل نهايتها، والإعارة ليست من عقود المعاوضة بل من عقود الأمانات. ومسألة العارية هذه مشهورة، ونصَّت عليها المجلة أيضًا. وقد علَّلوا ضمان المُعير هنا بأنه قد غرَّر المُستعير.

4 -إننا في مثل هذه العقود التي فشَت، وأصبحت من ضرورات التجارة العصرية، يجب أن نتلمَّس في النصوص القديمة نوافذ الترخيص والتجويز، فمَتى وجدنا لجوازها منْفذًا نفَذْنا منه، لا أن نأخذ بدلائل التضْييق ووجوهه عندما يكون في النَّص وجهان في الدِّلالة، هذا ما أعْتقد أنه يجب أن يكون مِنْهاجنا الفِقْهي في معالجة الأمور الزمنية، بعد أن يكون في هذه الأمور مصلحة ظاهرة لا مَفسدة، وعندئذ ففي هذا النص المذكور منْفذ واضح لأن فيه جوازًا لضمان خطر الطريق، ومثل هذا النص في ذلك الزمان يُعتبر أكثر من اللازم لنا للدلالة على موضوعنا في هذا الزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت