ولاشك اليوم أن عقد التأمين ضرورة مُبْرَمة للتِّجارة، التي باتِّساعها واتِّصالها مع الأقطار النائية من العالم، وازدياد الأخطار بازدياد وسائل السرعة في المُناقلات، وكذا في قضايا أضرار السيارات التي بحسب القوانين تحمل المالك نتائج أخطاء السائق المفلس غالبًا صيانة للأرواح، ولا يمكن اليوم الاستغناء عن تلك الوسائط. يُضاف إلى ذلك ما يُلحظ من أن بعض هذه الأخطار قد تجتاح ثروة الإنسان بكاملها بين لحظة وأخرى، كل ذلك يجعل من عقد التأمين أمانًا في المعاملات والحوادث، يوزَّع الضرر بالنسبة للضامن ـ على عاتق الشركة ـ أي: مجْموع المُساهمين، ويُقيمه من إصابته بالحادثة ناهضًا على قدميه كأنه لم يُصبْه شيء، فهذا العقد أقرب إلى عقْد تَعاوني لتلافي الأضرار بأسلوب تعويضي معيَّن. ودليل المصلحة فيه أن من لا يعقد التأمين في المواطن التي تستدعيه يعتبر في نظر الناس مغامرًا مخاطرًا.
وإذا كانت مصلحة الناس في حصول المُحتاج على المال اللازم له، وحصول الغني على مَسكن بلا أجرة قد سوَّغت للفقهاء الأقدمين أن يُفتوا بجواز عقد بيع الوفاء الذي لا يخرج في جوهره عن منفعة لِقاءَ قرْض هي في نظر الفقهاء جميعًا من قَبيل الربا، أفلا يكون في هذه الحاجة بل الضرورة المُبْرمة لمصلحة التجارة والصناعة والمواصلات العصرية، ودرء أخطارها الجديدة الناشئة غالبًا أيضًا من وسائل أيضًا جديدة لا غني عنها للناس، أفلا يكون في ذلك مسوِّغ لعقد التأمين الذي لا ينْطوي في جوهره على الربا، بل على فكرة تعاونية، وترميم أضرار وكوارثَ قد تكون كبيرة جدًا ؟ وليس في الشريعة عنه نصٌّ مانع. هذا ما يخطر لي الآن أن أكتبه على عجل إيجازًا للموضوع، الذي يجب أن يكون موضوع رسالة وافية.
أما قضية التأمين على الحياة فإني لم أتناولها الآن في هذا البحث؛ لأن فيها شيئًا من التعقيد، وتحتاج إلى بحث تحليلي أوسع أرجئه لمناسبة أخرى (1) .