هذا، ولا يخفَى أن ما جازَ في الوقف ـ من تَسعير وتقييد ـ أمكنَ أن يجريَ شرعًا على العقارات المملوكة في حالات مماثلة وعواملَ متشابهةٍ، ولا سيما إذا أصبحت حاجةً عامة تزول معها الفوارق التي كانت ملحوظة بين الوقف والمِلك، وتضطرب حياة الناس دونها، كما هو واضح اليوم لو أطلقت لمالك العقار حريّة الإيجار والتَّخلية والأسعار، وأدَّى ذلك إلى انعكاسات وانتكاسات واختلال الطمأنينة في الحياة الاقتصادية العامة.
وبناء على ذلك فما جاز شرعًا لولي الأمر فعله جاز لكل إنسان أن يستفيد منه، فيجوز لمستأجر العقار اليوم في ظل قانون الإيجار الذي يقيِّد حق التّخلية، ويحدِّد الأجور أن يستفيد منه ولو لم يَرض المالك، وليس مكلَّفًا أن يشتريَ رضاه بما يُرهِقه أو يُعجِزه، اللهم إلا إذا كان تحديد الأجرة في القانون غير عادل، وفيه جور على المالك في نظر الخبراء العالمين بالظروف الاقتصادية في البلد وتكاليف الحياة والأسعار العامة فيه؛ لأن الحاكم عندئذٍ يكون في الأصل ظالمًا، وسلطته الشرعيّة في التسعير ونحوه ليست سلطة مطلقة كيفية استبدادية، بل هي مقيدة بعدم الجَور؛ لأن من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية بلسان فقهائها أن:"التصرُّفَ على الرَّعية مَنوط بالمصلحة". ومن الواضح المعلوم شرعًا أنه لا يجوز لأحد أن يستفيد من ظلم غيره ولو بأمر الحاكم.
هذا ما يظهر لي في جواب هذه المسألة، والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو مُلهم الصواب.
الهوامش
(1) مجلة حضارة الإسلام ـ السنة الثالثة ـ العدد الرابع ـ 1382هـ.
(2) رواه أبو داود (3451) في الإجارة، باب التسعير، والترمذي (1314) في البيوع، وابن ماجه (2200) في التجارات، وإسناده صحيح.