على أن لفقهائنا حكمًا مماثلًا تمامًا في عقارات الأوقاف: فقد أقرَّ فقهاء الحنفية ـ وتابعَهم غيرُهم ـ أنواعًا من حقوق القرار على عقارات الأوقاف لمستأجِريها، وقيّدوا حقّ المتولّي الناظر في تخليتهم منها، من أمثلة ذلك حَقُّ الكَدِك، ومشدّ المَسَكة، والقيمة، والكردار، وسواها.
فالكَدِك مثلًا أصله أن شخصًا يستأجر دكانًا موقوفًا، ويقيم فيه من الأدوات والتأسيسات ما تحتاج إليه صناعتُه أو تجارتُه كالرفوف وكالتنور للخَبّاز مثلًا فتنقضِي مدة الإيجار، ويريد متولي الوقف إخراجه وإيجار العقار لغيره بحجة أنّه حُرٌّ في الإيجار له أو لغيره، فيتضرّر الأول بنقض ما أسّس، وضَياع ما أنفق، فلما كثُرت هذه الحوادث، وتظلَّم الناس منها أفتَى الفقهاء بأن المستأجِر في مثل هذه الحال لا يجوز إخراجه ما دام يدفع أجرَ المثل للوقف عن هذا العقار المُعَدِّ للإيجار دائمًا؛ لأنه موقوف لذلك والمتولّي أمين عليه، حتى إنه لا تُقبل من غير المستأجر أجرةٌ أزيدُ إذا جاء من يدفع للوقف أجرةً أكثرَ، فإنه لا تُقبل منه المزايدة إذا تبيّن أن زيادته هي زيادة كَيديّة، ولم ترتفع أجرة هذا العقار في ذاتها بسبب من الأسباب غير المكايدة.
هذا هو أصل فتوى الفقهاء في حق القرار المسمى بالكَدِك على عقارات الأوقاف، وهو موقف تتجلَّى فيه فكرة الإنصاف الذي هو من صميم الشريعة الإسلامية التي تأبى التعسُّف، وتمنع الضّرر، ونظيره فتواهم في الأنواع الأخرى المشابهة كالقيمة ومشدّ المَسَكة في البساتين والأراضي الزراعية الموقوفة.
وهذا من فقهائنا في الأصل موقف نبيل في التعبير عن عدل الشريعة (بقطع النظر عما آلتْ إليه الحال من أكل حقوق الوقف بسبب تهاون الحكام في صيانة الأوقاف وضعف الدفاع عنها، فذلك أمر آخر مُنفصِل عن المبدأ الفقهي العادل الذي انبعثت منه فتوى الفقهاء في ذاك الموضوع) .