فإني أُعيذُك من أن تأخذ أحكام الشريعة من كلام الشعراء وخَيالاتهم، نعم نحن نقول أيضًا لمن هذا شأنها: لكِ الويل لا تزني ولا تتصدقي، ولكن ألست ترى معي أيها الأخ الكريم أن المعاصِي درجات، بل الكفر أصحابه على درجات أيضًا، فليس أبو طالب عند الله تعالى كأبي لهب وأبي جهل؟ وقد قال ـ عليه الصلاة والسلام:"رأيتُ أبا طالب في غَمَرات النار فأخرجته إلى ضَحضاح" (روى البخاري(3885) في مناقب الأنصار، ومسلم (200) في الإيمان عن أبي سعيد الخُدريّ أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكر عنده عمه أبو طالب فقال:"لعلَّه تنفَعُه شفاعتي يوم القيامة، يجعل في ضَحضاح من نار، يبلغ كَعبيْه، يَغلي منه أمُّ دِماغه"والضّحضاح: الماء القليل، وقد شُبِّه به في القِلَّة ما يكون فيه أبو طالب من النار القليلة). أفلا ترى أن التي تزني وتتصدق من قلب رحيم بالفقراء والمساكين، هي خير أو أقلُّ شناعة ممن تزني وتخزن ولا تتصدّق ولا تَرِقُّ لِمِسكينٍ؟!
وأكرِّر لك أني اشترطتُ ألَّا يحسب المرء ذلك من زكاته الواجبة، ولا يقضِي دينًا، ولا أن ينتفعَ به في أي وجه من وجوه المنفعة، بل يكون هو طَريقًا فقط وواسطة لتحويل هذه الفوائد من صندوق البنك إلى جيوب الفقراء، والله يعلم المفسد من المصلح.
وختامًا لك مَزيد شكري أيها الأخ الكريم على أنك سألتني واستوضحت ولم تحدِّث عني بما سمعت من جاهل لا يفهَم، أو متقول مُفْتَرٍ، فاجتنبت الإثم الوارد في الخير:"كفى المرءَ كَذِبًا أنْ يُحَدِّث بكلِّ ما سَمِع" (أخرجه مسلم 1: 10 في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، وأبو داود(4992) في الأدب)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
23 من شوال 1392هـ.
الموافق 29/11/1991م.