ونقطة الغموض هي أنكم لم تبيِّنوا: هل بقي البذر نفسه في الأرض بسبب الجَفاف حتى نبت في العام الثاني لما جاء الأرض مطرٌ كافٍ؟ أو أن البذر نبت في عامه الأول الذي أُلْقِي فيه، ولكن الزَّرع النابت لم يكن من الجودة بحيث يساوي تكاليف حصادِه، فبقي السُّنبل دون حصادِه، وتساقَط حبُّه في الأرض حتى جاءه المطرُ الكافي في العام التالي (الحالي) فنبت من جديد وأعطى موسمًا جيِّدًا (كما قد يُشعر به قولكم لرداءة الموسم… فنبت مرة ثانية) فالحكم الشرعي يختلف بين الحالين: على أني سأجيبكم عن كلتا الحالتين فيما يلي:
أ ـ في الحالة الأولى: يكون العقد قد انقضى في نهاية العام المحدَّد به، ولم يتَّفق على تمديده، فبقي البذر في الأرض لصاحبه في الواقع، فبنباته بعد ذلك يكون الزرع النابت ومحصوله له؛ لأنه نماء بذره في أرض غيره دون عقد، ويكون لصاحب الأرض أجر مثل أرضه الذي قد يعادل حِصّته المقرّرة له في العقد السابق أو أكثر أو أقل. هذا مقتضَى قواعد المذهب الحنفي في المزارعة وفي الإجارة، وقد نصوا في إجارة الأرض للزرع على أنه إذا لم يستحصد الزرع في نهاية مدّة الإجارة يبقى رغمًا عن صاحب الأرض إلى حين استحصاده بأجر المِثل؛ لأن تكليف المستأجر بقلع الزرع في نهاية المدة فيه إتلاف للزرع، أما بقاؤه بأجر المثل ففيه رعاية لمصلحة الطَّرَفين.
هذا الحلُّ أقرب إلى المنطق الفقهي من القول في هذه الحالة بأن المحصول يكون موزَّعًا على حكم العقد السابق؛ لأن ذلك معناه القول باستمرار حكم عقد المزارعة بعد انقضاء مدّته إلى العام القابل، وهذا يؤدِّي إلى القول بمنع صاحب الأرض من التصرف بأرضه بعد انقضاء مدة عقد المزارعة، وعدم نبات البذر؛ لاحتمال أن ينبت في أعوام قادمة إذا استمرّ الجفاف، وفي هذا من البعد والمشكلات ما فيه.