فلا غَرو أن يَشِبَّ علامتنا في هذه البيئة العلمية المباركة، وأن يرضَع لبانَها، ويتزوّد من ثمارها، ويغترف من بِحارها، وقد آتاه الله البصيرة المتفتِّحة، والعقل النَّقّاد، والذهن الوقّاد، والذاكرة الواعية، والقدرة على الاستنباط والموازنة والتحليل والتعليل والنقد، مع غاية في التدقيق، وبراعة في التمحيص والتحقيق، ونفس سمحة تميل إلى التيسير لا التعسير، والتسهيل لا التعقيد، فكان ثمرة ذلك كله: تلك الكتب الأصيلة النافعة، التي جمعت بين أصالة القديم، ونصاعة الجديد، والتي شرّقت وغرّبت، واستفاد منها الداني والقاصي في العالم الإسلامي على امتداده، استفاد منها رجال الفقه، ورجال القانون، بل ورجال السياسة، ورجال الدعوة.
وقد اهتدى علماء الفقه منذ قرون بهدي القرآن والسنة، فكانت كتبهم على نموذجين أو نوعين: نموذج يقرر الأحكام ويفصلها ابتداء، وهو ما تقوم به كتب الفقه المعروفة في كل مذهب، ونموذج يجيب على الأسئلة المطروحة، ويقرِّر الحكم الشرعي فيها. وهو ما تقوم به كتب الفتاوى والنوازل، وهي معلومة مشهورة.
وهذا ما نجده في القرآن، فهو إما يبين الأحكام ابتداءً مثل: (يا أيُّها الذِينَ آَمَنُوا إذا تَدَايْنْتُمْ بدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فاكْتبوه) (البقرة: 282) (يا أيُّها الذين آَمَنُوا أوْفُوا بالعُقودِ) (المائدة: 1) .
وإما يجيب عن أسئلة أُثيرت، كما في قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الخَمْر والمَيْسِرِ قُلْ فِيهما إِثْمٌ كَبِير ومَنافِعُ للنّاسِ وإثْمُهما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهما ويَسْألونَك ماذَا يُنْفِقون قُلِ العَفْوَ) (البقرة: 219) (ويَسْأَلونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُو أذًى فاعْتَزِلوا النِّساءَ فِي المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (البقرة 222) وأمثالها في القرآن الكريم.