وكذلك السنة فيها أحكام يقرِّرها الرسول الكريم تعليمًا منه وتوجيهًا مبتدأ لأمته، كما في خطبة الجمعة والعيدين والكسوف والخسوف، ودروسه التي يتخوَّل بها أصحابه بالموعظة بين حين وآخر.
وفيها أحكام يُجيب بها من سأله ويُفتي في القضايا العارضة، كما سُئل عن ماء البحر، فقال:"هو الطَّهور ماؤه، الحِلّ ميتتُه".
وقد ذكر العلامة ابن القيم جملة كبيرة من فتاويه في الجزء الرابع من كتابه"إعلام الموقعين"وهي جديرة بأن تُقدم عليها دراسة تشرح مضامينها، وتبيِّن مراميَها. وتستنبط منها الأحكام والقواعد اللازمة للفقيه والمفتي.
وكذلك كان شيخنا الزرقا. لقد صنف الكتب الأصيلة التي نهل منها الناس العلم في مشارق الإسلام ومغاربها، أمثال"المدخل الفقهي العام"، و"المدخل إلى نظرية الالتزام"، وكتابه عن"الأوقاف"، ورسائله عن"الحديث النبوي"و"المصلحة المرسلة"و"العقل والفقه في فَهم الحديث النبوي"و"الفقه الإسلامي ومدارسه"وغيرها.
كما صنف هذا الكتاب الذي جمع فيه فتاويه وإجابته عن أسئلة المسلمين، خلال عمره المديد المبارك، أفرادًا كانوا أو مؤسساتٍ، والتي قام على جمعها وترتيبها العالم الشاب النابه الأستاذ مجد مكي جزاه الله خيرًا.
هذه الفتاوى الزرقاويه، إنما هي في حقيقتها بحوث ودراسات فقهية أصيلة وعميقة، تقصُر أو تطول. ليست مجرد قول المفتي: يجوز، أو لا يجوز، أو يجوز على مذهب فلان، ولا يجوز على مذهب آخر. بل هو يغوص في المسألة، ويحلل عناصرها، ويعرضه على نصوص الشريعة الثابتة، وقواعدها الضابطة، ومقاصدها الكلية، ويقلب النظر فيا بأناة ورويّة ـ كالعهد به دائمًا ـ حتى ينتهيَ إلى ما يراه من حكم شرعي لها، مُدخلًا في اعتباره تغير الزمان والمكان والإنسان، لا يدَّعي أن رأيه الذي كونه في المسألة هو حكم الله، ولا أنه الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، بل كما قال الأولون: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.