فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 564

قد يختلف بعض العلماء مع الشيخ فيما انتهى إليه من نتائجَ وأحكامٍ، ولكن لا يمكن لأحدهم أن يشكِّك في أصالة ملكته الفقهية، وقدرته على التأصيل والتفريع، وبراعته في المناقشة والاستدلال. فهو لا شكّ فقيه الأمة في هذه المرحلة: فقيه في فهم النصوص، فقيه في فهم المقاصد، فقيه في فَهم الواقع.

والحقيقة أني رأيته نسيجَ وحدِه في فقه الواقع ـ ولا سيّما في المعاملات ـ وله بصيرة متميزة في التمييز بين المتشابهات، وإدراك الفوارق الدقيقة بين الأشياء، التي يغفُل عنها الكثير من العلماء.

أذكر هنا مثالين من فتاواه للتوضيح.

أحدهما: تفريقه بين القَرض الفردي والقرض الجَماعي، فالقرض الفردي (الشّخصي) لم يَجُز أن يُزاد عليه ولو فلسًا واحدًا.

أما القرض الجماعي فينظر إلى المَقصد الكبير، هو إدامة وجود رأسمال يَستفيد منه أكبر قدر ممكِن من المنتفعين، وهنا لابد من الحِفاظ على رأس المال، وذلك بإيجاد جهاز إداري يقوم بمتابعة استرداد المبلغ، ولابد من الإنفاق على هذا الجهاز الإداري، ولما كان أحقُّ الناس بدفع قيمة المصروفات هذه للحفاظ على رأس المال هم المنتفعين من الصندوق، فلا بأس من اقتطاع نسبة معينة فوق المال المقترَض لتغطية نفقاتِ هذا الجهاز، شَريطة أن تغطِّيَ هذه النسبة كلفة تشغيل الجهاز فِعليًّا بَشريًّا ومادِّيًّا من أجور ونفقات، ولا يجوز أن تصبح فائدة باسم جديد. (الفتاوى ص 680) .

ومثل ذلك:"رأيه في التفريق في الهَدايا التي يدفعها التجار لعملائهم عن طريق القرعة ـ بين الهدايا البسيطة التي هي من عادة التجار وعُرفهم لمَن يشتري كمية كبيرة من بضائعهم.. وبين الهدايا الخارجية عن ذلك العُرف، ذات القيمة الكبيرة مثل السيارة ونحوها. فالأولى جائزة، والثانية محرّمة شرعًا. (الفتاوى ص 513) ."

وهذا هو الفقه النَّيِّر السّليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت