فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 564

وهو في هذه الفتاوى يطبِّق فقهه على واقع الحياة، فيطِبُّ لها من صيدلية الشريعة، ويجد فيها لكل داءٍ دواءً، ولكل مشكلة حلًّا، يحقق اليسر، ولا يوجِب العسر. فهذا هو الذي يريده الله لهذه الأمة التي لم يجعل عليها في الدين من حرج، وأنزل عليها في كتابه: (يُرِيُد اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) (البقرة: 185) (يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا) .

(النساء: 28) وقال لها رسولُها الكريم ـ صلَّى الله عليه وسلم:"إنّما بُعِثْتُم مُيسِّرين، ولم تُبْعَثوا مُعسِّرين"رواه البخاري عن أبي هريرة.

ولقد رأيت بعض الناس ـ سامَحهم الله ـ يتَّهِمون الشيخ بالتساهُل في الدين، ونَسِيَ هؤلاء أن هذا الذي يسمُّونه (التساهل) هو (التيسير) الذي أمرنا به نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال فيما رواه عن أنس ـ رضي الله عنه:"يسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفروا"متفق عليه. وقد قال لأبي موسى ومعاذ ـ رضي الله عنهما ـ حين أرسلهما إلى اليمن:"يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّر"متفق عليه.

وكأن شيخنا حفِظه الله ورعاه قد جَعل نُصْبَ عينيه تلك الكلمةَ المُضيئة التي قالها الإمام سفيان بن سعيد الثوري ـ الذي انعقدت له الإمامة في الفقه والحديث والورع ـ رضي الله عنه ـ ونقلها عنه الإمام النووي في مقدّمات المجموع:"إنّما الفقه الرُّخصةُ مِن ثِقةٍ، فأمّا التّشديد فيحسِّنُه كلُّ أحَدٍ".

ومن الناس في عصرنا مَن يحسب المُتشدِّدَ في الفتْوَى، المُعَسِّرَ في الفقه: أوْرعَ وأتقَى عند الله من الميسِّر على عباد الله. وكأنّهم ـ للأسف ـ يتوهَّمون أن التيسير على الخلق ناشئ من قلة الدِّين، وضعف اليقين.

مع أن المُيسِّر إنّما أطاع الأمر النبوي بالتيسير لا التعسير، والمشدِّد أقرب إلى الدخول في قوله ـ عليه الصلاة والسلام:"هلَك المتنطِّعون"… قالها ثلاثًا. رواه مسلم عن ابن مسعود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت