فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 564

وأنَّ بر الوالدين يتجلَّى في فعل ما يُرضيهما ويَسُرُّهما، من طاعة لأوامرهما وتحقيق لرغائبهما في المعروف، وأن عقوقهما يَتجلَّى فيما يُؤذِيهما أو يُنغِّصهما من قول أو عمل، ويقول الفقهاء: إن الفعل السيِّئ يُعتبر عُقوقًا إذا كان من شأنه أن يُؤلم الوالدين (كسُوء الأدب معهما مثلًا) وإن لم يُؤلم الوالد الذي أساء ابنه الأدب معه لِفَرْط مَحبَّته له وتَولُّعه به، والإخلال ببر الوالدين درجات: من المخالفة اليسيرة إلى العقوق والإيذاء الذي هو أيضًا درجات متفاوتة.

هذا، ولكن الشريعة الإسلامية من أبرز مزاياها أنَّ تعاليمها تَحفظ التوازن بين جميع الجهات الواجبة الاعتبار، فهي لا تَقبَل أن تَطغَى رعايةُ نوع من الحقوق والواجبات على رعاية نوع آخر منها، وميزان هذا قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحادثة المشهورة:"إنَّ لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولزوجك عليك حقًّا، فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه"إلى نصوص أخرى كثيرة في الكتاب والسنة الثابتة، ففي ظِلِّ ذلك تُقيَّد طاعة الوالدين شرعًا بأن لا تكون في معصية لله تعالى؛ لقوله تعالى: (وإنْ جاهَداكَ عَلَى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلا تُطِعْهُما) ، وقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لَا طَاعَةَ لمخلوق في معصيَّة الخالق" (2) ، فهناك نصوص عامة يَنْبسِط سلطانها على جميع آفاق الحقوق والواجبات فتَضع لها حدودًا ملحوظة تَحفَظ التوازن، والشرع حقوق وواجبات متقابلة، فكما أوْجَب على الولد برَّ والديه، أوجب عليهما تسهيلَ هذا البر عليه وعدم إرهاقه فيه.

بعد هذا الإيضاح للأصول أقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت