نظرًا لأن هذا الموضوع اليوم ذو حساسية شديدة، إذ أصبح التلقيح البشري في أنابيب الاختبار يُمارَس على نطاق واسع من العالم في مستشفيات كثيرة لمعالجة العُقْم، ولأغراض أخرى متعددة. وقد وَصَل ذلك إلى بعض البلاد العربية، وقد سمعتُ أيضًا في الإذاعة الإسرائيلية من أرض فلسطين المحتلة مقابلة مع طبيب من عهد قريب أنه يُمارِس ذلك الآن في أحد المستشفيات بنجاح نِسبي، وكَثُرَتْ فيه الطلبات على المستشفى الذي يُجْرِيه، لذلك رأيتُ من الواجب أن أكتب هذا التعقيب على جواب فضيلة المفتي.
فأقول:
أولًا: إن قول فضيلة المفتي: عندما يَتكوَّن الطفل من غير ماء الزوج ففيه معنى الزِّنَى، هو قول صحيح في الجملة، لكن إطلاقه قد يَتوهَّم منه القارئ غير المختص أنه تَتَرتَّب عليه أحكام الزنى جميعها، حتى في درجة الحرمة واستحقاق عقوبة الحد، وهذا غير مُراد فضيلته قَطعًا، فلا يُمكِن أنْ يَكون في الحرمة كالزنى الحقيقي المباشر، إذ ليس فيه رُكْنه، وبالتالي لا يُمكِن القول باستحقاق عقوبة حدِّ الزنى، التي لم يوجِبها الشرع إلا في حالة الزنى بمعناه الحقيقي وبشرائطه الشرعية المعروفة، وإنما تَستوجِب هذه العملية المحظورة من التلقيح الاصطناعي عقوبة تعْزيرية بما يَكفي للزجر، فهي ليست زِنًى حقيقيًا، ولكن الطفل المنتوج فيها هو كولد الزنى، لأنه مثله متكوِّن من بِذرتين إحداهما (البُييضة الأنثوية) من الزوجة، والأخرى (الحيوان المنوي) من غير زوجها، فلا يَثبُت له نَسَبٌ من زوجها؛ لأن البذرة الذَّكَرِيَّة ليست منه، كما لا يَثبُت للطفل نَسَبٌ من صاحب البذرة الذَّكَرِيَّة (إن كان معروفًا) ؛ لأنه ليس بزوج، ولا هو في حالة شبهة، وإنما يُلْحَقُ نَسَبُ الطفل بأمِّه حينئذ كما في الزِّنَى الحقيقيِّ.
ثانيًا: وأما قول:"إنه لا يَرِث من أمِّه شيئًا لأنه ابن غير شرعي"ففيه نظر، وأرى أن جواب فضيلته هذا مخالف لقواعد الميراث الشرعي، لما يلي: