ب ـ هذا كله إذا نظرنا إلى المألوف والقرائن، ودلالة الترقيم، لكنَّ هناك دليلًا منطقِيًّا عقليًّا أقطعَ من ذلك كلِّه، وهو أنّ من بَدَهِيّات علم القانون أنّ نصَّ القانون المحلي النافذ مقدَّم في وجوب تطبيقِه على كل مصدَر آخر غير مُقنَّن. وقد جاءت في النَّصِّ المسؤول عنه (التشريعات الصادرة في إمارة دبي) أول المصادر الأربعة ذكرًا، فإذا لم يكن اعتبار الترتيب مقصودًا لَزِم منه أن يكون للقاضي حق الاستناد إلى ما يرى ويقدّر أنّه من المصدر الرابع مثلًا، وهو (مبادئ العدالة الطبيعيّة والحق والإنصاف) ولو كان التشريع المحلِّي الصادِر في الإمارة نفسِها ينصُّ صراحة على خِلافه!! أي: أن يترك القاضي القانون المحلِّيَّ النافذ فيضرب به عُرْضَ الحائط، ويلجأ إلى ما يرى بتقديره الخاصِّ أنّه من مُقتضَى مبادئ العدالة، أي: أن القاضيَ عندئذٍ يكون له حق تعطيل القانون بحجة مخالفته لما يرى أنه مقتضى العدالة والإنصاف، وهذا ما لا يُقبَل في منطِق تشريعيّ، وإلا لم يكنْ للقانون قيمة، بل يُصبح القاضي هو المشرِّعَ وهو الحاكم، وهذا لا يوجد له مَثيل في عالم القانون!!.
نعم إن هناك بِلادًا يَجعَل دستورُها للقضاء حقَّ رقابة على دستورية القوانين، ولكن هذا الأسلوب يكون في بلاد ذات دستور يعطي القاضي هذا الحقَّ، ليحتكِم والمشرِّع إلى نصوص دستوريّة محدَّدة تلزمهما معًا، أما أن يكون للقاضي نبذُ القانون النافذِ، والقضاءُ بخلافه عمدًا وصراحة بحُجّة أن ما يذهب إليه هو مقتضَى مبادئ العدالة والحقّ والإنصاف (كما يستلزم فَهم عدم الترتيب من النص المسؤول عنه) فهذا ما نعني أنه لا نَظيرَ له في عالم القانون، والله سبحانه أعلم.
الكويت 21/4/1391هـ.
14/6/1971م
مصطفى أحمد الزرقا