فهرس الكتاب
عَلِمْتُ أَنَّكَ تَبْقَى لَمِ اخْتَرْ عَلَى قُرْبِكَ قَالَ: «عَلَيْكَ بِالشَّامِ ثَلَاثًا» .فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَرَاهِيَتَهُ إِيَّاهَا قَالَ:"هَلْ تَدْرِي مَا يَقُولُ اللَّهُ فِي الشَّامِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: «يَا شَامُ أَنْتِ صَفْوَتِي مِنْ بِلَادِي أُدْخِلُ فِيكِ خَيْرَتِي مِنْ عِبَادِي، أَنْتِ سَوْطُ نِقْمَتِي وَسَوْطُ عَذَابِي، أَنْتِ الَّذِي لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرْ، [أَنْتِ الْأَنْدَرُ] وَإِلَيْكِ [عَلَيْكِ] الْمَحْشَرُ» ،وَرَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَمُودًا أَبْيَضَ كَأَنَّهُ لُؤْلُؤَةٌ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ قُلْتُ: «مَا تَحْمِلُونَ؟» قَالَ: عَمُودُ الْإِسْلَامِ أَمَرَنَا أَنَ نَضَعَهُ بِالشَّامِ وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ الْكِتَابَ اخْتُلِسَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، فَظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَخَلَّى مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي فَإِذَا هُوَ نُورٌ بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى وُضِعَ بِالشَّامِ، فَمَنْ أَبَى فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ [وَلْيَسْتَقِ] مِنْ غُدُرِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ" [1]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «سَيَكُونُ جُنْدٌ بِالشَّامِ وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ» فَقَالَ رَجُلٌ: فَخِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكَ بِالشَّامِ، عَلَيْكَ بِالشَّامِ، عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَمَنْ أَبَى فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ وَلْيَسْقِ مِنْ غُدْرِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ» . [2]
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ. عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ، لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» . [3]
وسوف يتحقق النصر على هذا الفرعون قريبا بإذن الله تعالى. فعن عُمَيْرَ بْنِ هَانِئٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،يَقُولُ: «لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ" [4] "
(1) - مسند الشاميين للطبراني (1/ 345) (601) صحيح لغيره
(2) - فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (2/ 897) (1707) صحيح لغيره
(3) - فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (2/ 903) (1722) وصحيح ابن حبان - مخرجا (16/ 292) (7303) صحيح
(4) - صحيح البخاري (4/ 207) (3641)
"لَا تَزَالُ"):وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَوْقِيَّةِ ("مِنْ أُمَّتِي") ،أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ أُمَّتِي بِالْإِجَابَةِ ("أُمَّةٌ") ،أَيْ: طَائِفَةٌ ("قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ") ،أَيْ: بِأَمْرِ دِينِهِ وَأَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ مِنْ حِفْظِ الْكِتَابِ وَعِلْمِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُمَا، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالنَّصِيحَةِ لِخَلْقِهِ وَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران:104] ("لَا يَضُرُّهُمْ") ،أَيْ: لَا يَضُرُّ دِينَهُمْ وَأَمْرَهُمْ ("مَنْ خَذَلَهُمْ") ،أَيْ: مَنْ تَرَكَ عَوْنَهُمْ وَنَصْرَهُمْ، بَلْ ضَرَّ نَفْسَهُ وَظَلَمَ عَلَيْهَا بِإِسَاءَتِهَا ("وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ") ،أَيْ: لَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ ("حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ") ،أَيْ: مَوْتُهُمْ أَوِ انْقِضَاءُ عَهْدِهِمْ ("وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ") .أَيْ عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَجْهَ الْأَرْضِ لَا يَخْلُو مِنَ الصُّلَحَاءِ الثَّابِتِينَ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ الْمُتَبَاعِدِينَ عَنْ نَوَاهِيهِ حَافِظِينَ لِأُمُورِ الشَّرِيعَةِ يَسْتَوِي عِنْدَهُمْ مُعَاوَنَةُ النَّاسِ وَمُخَالَفَتُهُمْ إِيَّاهُمْ، وَفَسَّرَ شَارِحٌ أَمْرَ اللَّهِ بِالْقِيَامَةِ، وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ:" «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ» ".وَقَالَ شَارِحٌ: قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ أَيْ مُتَمَسِّكَةٌ بِدِينِهِ، قِيلَ: هُمُ الْأُمَّةُ الْقَائِمَةُ بِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَحِفْظِ الْحَدِيثِ لِإِقَامَةِ الدِّينِ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُقِيمُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ الْمُدِيمُونَ لَهُ مِنْ قَامَ الشَّيْءُ دَامَ، وَالْبَاءُ فِي بِأَمْرِ اللَّهِ بِمَعْنَى"مَعَ"أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: دَائِمَةٌ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ أَوْ مُدِيمَةٌ إِيَّاهُ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ شَوْكَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تَزُولُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ ضَعْفَ أَمْرِهِ فِي قُطْرٍ قَوِيَ وَعَلَا فِي قُطْرٍ آخَرَ وَقَامَ بِإِعْلَائِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْأُمَّةُ الْقَائِمَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَإِنِ اخْتُلِفَ فِيهَا فَإِنَّ الْمُعْتَدَّ بِهِ مِنَ الْأَقَاوِيلِ أَنَّهَا الْفِئَةُ الْمُرَابِطَةُ بِثُغُورِ الشَّامِ نَضَّرَ اللَّهُ بِهِمْ وَجْهَ الْإِسْلَامِ، لِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُمْ بِالشَّامِ، وَفِي بَعْضِهَا حَتَّى تُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَفِي بَعْضِهَا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَّى هُمْ؟ قَالَ:"بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ".فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الشَّامِ، وَقَدْ عَاشَتِ الذِّئَابُ فِي الْقَطِيعِ، وَعَبَرَتِ الْجُنُودُ الْعَاتِيَةُ عَنِ الْفُرَاتِ، وَأَبَاحَتْ عَلَى مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْبَلَاءِ كَنَبِيحَ وَسَرُوجَ وَحَلَبَ وَمَا حَوَالَيْهَا قُلْتُ: إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا يَضُرُّهُمْ كُلَّ الضَّرَرِ، وَقَدْ أَضَرَّ الْكُفَّارَ يَوْمَ أُحُدٍ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمَّا كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، مَعَ أَنَّ الْفِئَةَ الْمَوْعُودَةَ لَهُمْ بِالنَّصْرِ هُمُ الْجُيُوشُ الْغَازِيَةُ بِهَا وَلَمْ يُصِبْهُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ إِلَى الْيَوْمِ غَضَاضَةٌ وَلَا هَوَانٌ، بَلْ كَانَ لَهُمُ النُّصْرَةُ وَعَلَى عَدُوِّهِمُ الدَّبْرَةُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 4047)