فهرس الكتاب

الصفحة 1507 من 1902

البداية التاريخية لزوال هذه الدويلات العميلة أو بالأحرى المستعمرات التي أصبحت قواعد انطلاق للحملة الصليبية على الإسلام والمسلمين.

إن تاريخ الأمة خطَّ بهدي الإسلام وبدماء المجاهدين والشهداء، ولو كان الإسلام مجرد كلمات حق تقال دون قوة تحمي كلمة الحق وتنصرها لما قامت للإسلام دولة، بل الإسلام دين واقعي قد جمع بين الكتاب الهادي والجهاد الذي ينصر شريعة الكتاب، فهذه حقيقة يجب أن يدركها كل مسلم فعندما تكون عالما أو طبيبا أو مهندسا لا يمكن أن تبني حضارة إن لم تكن قبل ذلك مسلما صادقا مجاهدا، عندها فقط تستطيع أن تقيم دولة وتبني حضارة إذا كنت مجاهدا عالما أو مجاهدا طبيبا أو مجاهدا مهندسا، فإذا كان المسلمون يجاهدون في سبيل الله وفيهم العالم والطبيب والمهندس وغيرهم من أهل الاختصاص بعد ذلك فقط يقيمون دولة الإسلام ويبنون حضارة حقيقية، لأنهم بجهادهم في سبيل الله يحمون دولتهم وحضارتهم، وأما بدون الجهاد في سبيل الله فسوف يتخطفهم الأعداء، ويحكمون بلادهم، ويتداعون عليهم من كل صوب، ويستبيحون نفطهم ومعادنهم وخيراتهم. فعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» ،فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ» ،فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» [1]

وعنْ أبِي هُريْرة، قال: سمِعْتُ رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ لِثوْبان:"كيْف أنْت يا ثوْبانُ، إِذْ تداعتْ عليْكُمُ الْأُممُ كتداعِيكُمْ على قصْعةِ الطّعامِ تُصِيبُون مِنْهُ؟"قال ثوْبانُ: بِأبِي وأُمِّي يا رسُول اللهِ، أمِنْ قِلّةٍ بِنا؟ قال:"لا، بلْ أنْتُمْ يوْمئِذٍ كثِيرٌ، ولكِنْ يُلْقى فِي قُلُوبِكُمُ الْوهنُ"قالُوا: وما الْوهنُ؟ يا رسُول اللهِ؟ قال:"حُبُّكُمُ الدُّنْيا وكراهِيتُكُمُ الْقِتال" [2]

(1) - سنن أبي داود (4/ 111) (4297) صحيح

(2) - مسند أحمد ط الرسالة (14/ 332) (8713) صحيح لغيره

"يُوشِكُ الْأُممُ) أيْ: يقْرُبُ فِرقُ الْكُفْرِ والضّلالةِ ("أنْ تداعى") :حذف إِحْدى التّاءيْنِ، أيْ: تتداعى (عليْكُمْ) :بِأنْ يدْعُو بعْضُهُمْ بعْضًا لِمُقاتلتِكُمْ وكسْرِ شوْكتِكُمْ وسلْبِ ما ملكْتُمُوهُ مِن الدِّيارِ والْأمْوالِ (كما تداعى) أيْ: تتداعى (الْأكلةُ) بِالْمدِّ، وهِي الرِّوايةُ على نعْتِ الْفِئةِ والْجماعةِ أوْ نحْوِ ذلِك، كذا روى لنا عنْ كِتابِ أبِي داوُد، وهذا الْحدِيثُ مِنْ أفْرادِهِ، ذكرهُ الطِّيبِيُّ - رحِمهُ اللّهُ -.ولوْ رُوِي الْأكلةُ بِفتْحتيْنِ على أنّهُ جمْعُ آكِلٍ اسْمِ فاعِلٍ لكان لهُ وجْهٌ وجِيهٌ، والْمعْنى: كما يدْعُو أكلةُ الطّعامِ بعْضُهُمْ بعْضًا (إِلى قصْعتِها) أيِ: الّتِي يتناولُون مِنْها بِلا مانِعٍ ولا مُنازِعٍ، فيأْكُلُونها عفْوًا صفْوًا، كذلِك يأْخُذُون ما فِي أيْدِيكُمْ بِلا تعبٍ ينالُهُمْ، أوْ ضررٍ يلْحقُهُمْ، أوْ بأْسٍ يمْنعُهُمْ."

(فقال قائِلٌ: ومِنْ قِلّةٍ) :خبرُ مُبْتدأٍ محْذُوفٍ، وقوْلُهُ: (نحْنُ يوْمئِذٍ) :مُبْتدأٌ وخبرٌ صِفةٌ لها، أيْ: أذلِك التّداعِي لِأجْلِ قِلّةٍ نحْنُ عليْها يوْمئِذٍ (قال:"بلْ أنْتُمْ يوْمئِذٍ كثْرةٌ") أيْ: عددًا وقلِيلٌ مددًا، وهذا معْنى الِاسْتِدْراكِ بِقوْلِهِ: ("ولكِنّكُمْ غُثاءٌ") بِالضّمِّ ممْدُودًا.

قال الطِّيبِيُّ - رحِمهُ اللّهُ: ("كغُثاءِ السّيْلِ") :قال الطِّيبِيُّ بِالتّشْدِيدِ أيْضًا ما يحْمِلُهُ السّيْلُ مِنْ زبدٍ ووسخٍ، شبّههُمْ بِهِ لِقِلّةِ شجاعتِهِمْ، ودناءةِ قدْرِهِمْ، وخِفّةِ أحْلامِهِمْ، وخُلاصتُهُ: ولكِنّكُمْ تكُونُون مُتفرِّقِين، ضعِيفِي الْحالِ، خفِيفِي الْبالِ، مُشتّتِي الْآمالِ، ثُمّ ذكر سببهُ بِعطْفِ الْبيانِ فقال: (ولينْزِعنّ) أيْ: ليُخْرِجنّ (اللّهُ مِنْ صُدُورِ عدُوِّكُمُ الْمهابة) أيِ: الْخوْف والرُّعْب (مِنْكُمْ) أيْ: مِنْ جِهتِكُمْ ("وليقْذِفنّ") بِضمِّ الْياءِ أيْ: وليرْمِينّ أيِ: اللّهُ ("فِي قُلُوبِكُمُ الْوهْن") أيِ: الضّعْف، وكأنّهُ أراد بِالْوهْنِ ما يُوجِبُهُ؛ ولِذلِك فسّرهُ بِحُبِّ الدُّنْيا وكراهةِ الْموْتِ حيْثُ قال: (قال قائِلٌ: يا رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وما الْوهْنُ) ؟ أيْ ما سببُهُ وما مُوجِبُهُ؟ قال الطِّيبِيُّ - رحِمهُ اللّهُ:سُؤالٌ عنْ نوْعِ الْوهْنِ، أوْ كأنّهُ أراد مِنْ أيِّ وجْهٍ يكُونُ ذلِك الْوهْنُ (قال:"حُبُّ الدُّنْيا وكراهةُ الْموْتِ") وهُما مُتلازِمانِ فكأنّهُما شيْءٌ واحِدٌ، يدْعُوهُمْ إِلى إِعْطاءِ الدّنِيّةِ فِي الدِّينِ مِن الْعدُوِّ الْمُبِينِ، ونسْألُ اللّه الْعافِية فقدِ ابْتُلِينا بِذلِك، فكأنّما نحْنُ الْميِّتُون بِما ذُكِر هُنالِك. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3365) والمفصل في فقه الجهاد - ط2 (ص:2446)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت