فهرس الكتاب

الصفحة 1693 من 1902

ومنهم من قد يدعي كذبا وزورا بأنه قد جاهد مع المجاهدين، أو قام بنصرتهم ومعاونتهم، حتى يحمد بما لم يفعل، كما قال تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:188]

يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - وَالمُؤْمِنِينَ إلى حَالٍ آخَرَ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الكِتَابِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْرَحُونَ بِمَا أتَوا مِنَ التَّأويلِ وَالتَّحْرِيفِ لِلكِتَابِ، وَيَرَونَ لأَنْفُسِهِمْ، شَرَفاَ وَفَضْلاً بِأنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ. وَكَانُوا يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِأَنَّهُمْ حُفَّاظُ الكِتَابِ وَمُفَسِّرُوهُ. وَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَعَلُوا نَقِيضَهُ، إذْ حَوَّلُوهُ مِنَ الهِدَايَّةِ إلى مَا يُوافِقُ أهْواءَ الحُكَّامِ وَالعَامَّةِ.

(وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي اليَهُودِ إذْ سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ شَيءٍ فِي كِتَابِهِمْ، فَكَتَمُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أرَوْهُ أنَّهُمْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوهُ بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوا مِنْ كِتْمَانِ مَا سَألَهُمْ عَنْهُ) .

(وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَعْضِ المُنَافِقِينَ الذِينَ كَانُوا يَتَخَلُّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا غَزَا، فَإذا عَادَ مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إليهِ، وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفُْعَلُوا) .وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّ هَؤُلاءِ الذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَيْسُوا نَاجِينَ مِنَ العَذَابِ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ عَذَاباً أَلِيماً. [1]

وقال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) } [العنكبوت:10 - 11]

هُنَاكَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ يَدَّعُونَ الإِيمَانَ بأَلسِنَتِهِمْ، فَإِذا آذاهُ المُشْرِكُونَ لإِيِمَانِهِ بِاللهِ، جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ في الدُّنيا كَعَذَابِ اللهِ في الآخِرَةِ، فَارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، وَرَجَعَ عَن إيمَانِهِ إلى الكُفْرِ، مَعَ أَنَّهُ لو صَبَرَ لَكَانَ خَيراً لهُ، لأنَّ عَذَابَ النَّاسِ لهُ دافعٌ يدفَعُه عنهُ، ولهُ نِهايةٌ، ويُثَابُ المُؤِمنُ، عَليهِ. وعَذَابُ اللهِ ليسَ لهُ مَنْ يَدْفَعُهُ عنْهُ، ولا نِهَايةَ لَهُ، وَيَترتَّبُ عليهِ العِقَابُ الأَليمُ.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:481،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت